ولاد البلد

في اليوم العالمي للزهايمر.. ألم المرضى ومأساة الأسر بالإسكندرية

في اليوم العالمي للزهايمر.. ألم المرضى ومأساة الأسر بالإسكندرية مصابة بمرض الزهايمر.. مصدر الصورة: منظمة الصحة العالمية

تصور أن يأتي عليك يوم لتستيقظ من نومك وأنت لا تتذكر شيئا عن نفسك، ولا تدري من أنت، وما جاء بك إلي هذا العالم، ولا تعرف من حولك، وتفزع من رؤية أقرب الناس إليك، وهم مجرد وجوه غرباء عنك، وقتها سيتلاشى العالم من حولك لتجد نفسك بلا ذاكرة.

هذا التصور المخيف يعيشه الآلاف من مرضى الزهايمر في مصر، الذي بدأ في الانتشار بشكل مخيف، وهو ما أكده الأطباء النفسيين، بأن هذا المرض وحش يلتهم الإنسان دون جرس إنذار.

يأتي اليوم 21 من شهر سبتمبر، تزامنا مع الاحتفال باليوم العالمي لمرضي الزهايمر، والذي اشتق اسمه من اسم الطبيب الألماني “ألويس ألزهايمر”، الذي اكتشفه عام 1906، بعد أن لاحظ تغيرات تشريحية في مخ امرأة توفيت بمرض عقلي غير معتاد.

وبدأت حكاية هذا اليوم منذ عام 1984 في واشنطن، حيث قدم مجموعة من الخبراء بمرض الزهايمر  هدفا لمرضاهم، وهو “حياة أفضل للأشخاص الذي يعانون من الخرف ولذويهم”، ومنذ 25 سنة لم تتغير الرؤية، وكذلك العاطفة لم تتزعزع، حيث تضاعف عدد أعضاء جمعية مرضى الزهايمر من أربعة أعضاء لتصل إلى أكثر من 75 جمعية عالمية للزهايمر، ليخرج لنا هذا اليوم العالمي الذي يحتفي به العالم أجمع.

47.5 مليون مصاب 

ووفقا لإحصائيات منظمة الصحة العالمية، التي تؤكد أن هناك 47.5 مليون من المصابين بالخرف في جميع أنحاء العالم، علما بأن نصف هؤلاء المرضى “58%” يعيشون في البلدان المنخفضة الدخل والبلدان المتوسطة الدخل، كما يشهد كل عام حدوث 7.7 مليون حالة جديدة من المرض.

وتشير التقديرات إلى أنّ نسبة المصابين بالخرف بين عموم من يبلغون من العمر 60 عاما فما فوق، في وقت معيّن، تتراوح بين 5 إلى 8 من بين كل 100 شخص.

وبحسب منظمة الصحة العالمية، فإنه من المتوقّع أن يرتفع العدد الإجمالي للمصابين بالخرف ليبلغ 75.6 مليون نسمة في عام 2030 حوالي ثلاث أضعاف في عام 2050 ليصل 135.5 مليون نسمة، ويُعزى قدر كبير من هذه الزيادة إلى ارتفاع أعداد المصابين بهذا المرض في البلدان المنخفضة الدخل والبلدان المتوسطة الدخل.

دخول مفاجئ

“والدتي كانت تعمل أستاذة جامعية وسيدة مثقفة جدا، وفجأة وهى في سن 58 عاما بدأت تنسى مواقف وشخصيات بشكل متكرر، ما جعلنا في البيت نتعجب من أمرها، فكان ما يأتي في أذهاننا أنها متعبة من شدة العمل وضغط طلابها، لكن بدأ المرض يهاجمها بشكل أكثر شراسة وأصبحت تنسى شخصيات مؤثرة في محيط أسرتنا كانت علي علاقة طيبة معهم، وعلى الفور ذهبنا للطبيب النفسي الذي أخبرنا أن والدتي للأسف هاجمها مرض الزهايمر اللعين، على الرغم من أنها كانت صغيرة في السن”.. هكذا روت منال عبد القادر، 35 عاما، موظفة، ومقيمة في محافظة الإسكندرية.

وتحكى منال قصة والدتها لـ “ولاد البلد” وعيناها تزرف دموعا على ما تراه يحدث لوالدتها قائلة: “والدتي الآن تبلغ من العمر 64 عاما، 7 سنوات ونحن نعيش في مأساة مع مرض أفقد والدتي ذاكرتها وسرق عقلها بشكل مفاجئ، فلم أتوقع يوما ما أن والدتي ستكون في هذا الموقف، حيث أصبحت سيدة هزيلة تخرج أحيانا من المنزل ولا تعرف إلى أين هي ذاهبة، ما يجعلنا نغلق أبواب المنزل عليها خوفا من خروجها وتعرضها للفقدان وبالفعل مررنا من قبل بتجربة سيئة”.

وتضيف أن والدتها خرجت منذ عام من المنزل، ولم تراها جليستها، وظلت تبحث عنها في كل مكان حتى أن وجدتها تجلس أمام البحر على الكورنيش، فاستعجبت من الأمر، وقررت غلق باب المنزل وإخفاء المفاتيح خوفا على حياتها وخروجها وألم فقدانها.

وتشير منال إلى أنه للأسف المرض مجرد وحش يلتهم الإنسان وذاكرته فنحن نعالج والدتي عند أكبر الأطباء وتأخذ الأدوية التي تهدئ الحالة، لكن لا محالة من تفاقم النسيان حتى أصبحت تتذكر مواقف أحيانا وأحيانا تسألنا من أنتم.

مأساة وألم

ويقول محمد سلطان، 50 عاما، أعمال حرة، ومقيم بالاسكندرية، لـ”ولاد البلد”، إن والده أصيب منذ 10 سنوات بمرض الزهايمر بشكل مفاجئ، فكان رجل ذو مركز مرموق في البلد، وكان شخص له هيبة لكن المرض جعله طفلا في جسد كهل، بدأ معه بنسيان المواقف والأشخاص.

أصبح والد سلطان يتذكره هو بالكاد لكنه نسي إخوته، فكل يوم يعرفه عليهم وكأنه يراهم للوهلة الأولى، مبينا: “اليوم والدي يبلغ من العمر 75 عاما فاقد لنعمة الذاكرة محا المرض المتوحش ذاكرته، فأصبح يعرفني فقط لكونه مقيم معه ونسي كل أصدقائه فقط أصبح يتذكر والدتي رحمها الله و أنا ما يحزننا كثيرا، مؤكدا أن والده يعالج منذ 10 سنوات عند الأطباء النفسيين لكون العلاج يحد من تفاقم الأعراض لكن لا يوقف عملية مسح الذاكرة.

ويتفق معه في الرأي عامر عبد اللطيف، مدرس، ومقيم في محافظة الإسكندرية، ويضيف لـ “ولاد البلد”، أن والده أصيب بمرض الزهايمر في عمر 60 عاما، وبدأ ينسي مواقف ثم الأشخاص ثم نسي حياته كلها رغم أن يحصل علي العلاج المكثف لكن الأطباء جميعهم أخبرونا بأنه لا يوجد علاج يوقف توحش المرض والتهام الذاكرة  لكن العلاج يتحكم فقط في عدم تفاقم أمراض الشيخوخة المصاحبة للمرض.

ويؤكد عبد اللطيف، أن أسر المصابين يعانون معاناة كبيرة بسبب ذويهم، ويتكبدون مصاريف كبيرة للعلاج، فضلا عن توفير جليسات لبعض الحالات، فلابد من أن توفر الدولة مصحات علاجية خاصة بمرضى الزهايمر، وتكون مجانية وبها أماكن للمبيت لرعاية الحالات الحرجة، التي لابد أن تخضع لإشراف طبي.

مصحات خاصة

ويطالب أسر مصابي مرض الزهايمر، بضرورة قيام الدولة بإنشاء مصحات نفسية لمرضى هذا المرض، أسوة بدول العالم التي تضع اهتماما بالغا لأصحاب مرض الخرف دون مقابل مادي، ويكون علاجهم على قائمة الدولة، خاصة لمن لا يملك تأمين صحي.

مرض شرس

أما الدكتور أحمد عامر، الطبيب النفسي بمحافظة الإسكندرية، فيقول لـ”ولاد البلد”، إن مرض الزهايمر أنتشر في مصر مؤخرا بشكل كبير جدا، بل ظهر انتشاره وفقا للإحصائيات في الدول ذات النمو الاقتصادي الضعيف، خاصة أن منظمة الصحة العالمية قالت في إحدى إحصائياتها أن مرض الخرف  يخلف آثارا اجتماعية واقتصادية كبيرة، من حيث التكاليف الطبية والاجتماعية المباشرة وتكاليف الرعاية غير الرسمية لأسر المرضى.

ويوضح عامر، أن الإحصائية ذكرت أن إجمالي التكاليف الاجتماعية العالمية المرتبطة بالخرف، بلغ في عام 2010، نحو 604 مليارات دولار أمريكي، ويعادل هذا المبلغ 1% من متوسط الناتج المحلي الإجمالي على الصعيد العالمي، أو 0.6% إذا ما روعيت التكاليف المباشرة فقط، وتتراوح التكلفة الإجمالية المعبّر عنها بنسبة من الناتج المحلي الإجمالي بين 0.24% في البلدان المنخفضة الدخل و1.24% في البلدان المرتفعة الدخل، ما يؤكد أن نمو المرض وزيادته مرتبطة بالمعدلات الاقتصادية.

ويؤكد عامر، أنه كل يوم يأتي له مريض الزهايمر ولكنه يخبر العائلة أن المرض للآسف  لا يوجد، علاج يمكّن من الشفاء من الخرف أو وقف تطوّره التدريجي لكن طبيعة العلاج تقضي بمحاولات عدم تطور أمراض الشيخوخة، وتساعد في تحسين حياتهم.

علامات المرض

ويؤكد الدكتور محمد سرى، الطبيب النفسي بالإسكندرية، أن الهدف من التكاتف لمساعدة مرضى الزهايمر هو التشخيص المبكر للمرض، من أجل تعزيز التدبير العلاجي وعدم تطور الحالة سريعا ومتابعة الصحة البدنية والقدرة المعرفية العقلية والنشاط والصحة وضرورة الكشف عن الأمراض الجسدية المصاحبة للزهايمر وضرورة علاجها مع الكشف عن الأعراض السلوكية والنفسية ومعالجتها حتى لا تتطور الحالة  مع توفير المعلومات عن الحالة المريضة للقائمين على رعاية المريض حتى يتمكنون من مساعدته.

ويشير سري، إلى أن مرض الزهايمر له 3 درجات وكل درجة تخضع حسب درجة تأثير المرض وشخصية الفرد قبل إصابته بالمرض وتتمثل المرحلة الأولي وهى كثيرا ما يتم إغفال المرحلة الأولية من الخرف لأنّ الأعراض تظهر بشكل تدريجي ثم تطور الحالة بالفقدان النصفي ثم الحالة الثالثة الفقدان الكلي للذاكرة.

وعن أنواع مرض الخرف أو “الزهايمر”، يؤكد سري هم الخرف الوعائي، والخرف الناجم عن أجسام ليوي “أجسام بروتينية تتراكم بشكل غير طبيعي داخل الخليات العصبية”، و الخرف الجبهي الصدغي أي “تنكّس الفص الجبهي من الدماغ”،  وللأسف يمكن لأي إنسان أن يصاب بمزيج من هذه الأنواع.

8 أعراض للمرض.

ويشرح الدكتور محمد سرى، الطبيب النفسي بالإسكندرية 8 أعراض يظهرون على مرضى الزهايمر:

1- النسيان بشكل تدريجي

2- فقدان الشعور بالوقت

3- التوهان في الأماكن التي يعيش فيها

4- نسيان الأحداث حديثة العهد و أسماء الناس التي يعرفها

5- الضلال في منزله، و صعوبة الكتابة والقراءة

6- صعوبة التواصل مع الأقرباء

7- نسيان ذويه

8- يحتاج المساعدة والعون المستمر

9- التساؤل وطرح الأسئلة بشكل مستمر

10- عدم إدراك الوقت والمكان

11- صعوبة التعرّف على الأقرباء والأصدقاء

12- صعوبة المشي

13- تغيّر في السلوك والميل للعدوانية.

الأسباب  

وعن الأسباب الرئيسية لمرض الزهايمر تقول الدكتورة ليلى نصر، الأخصائية النفسية بالإسكندرية، لـ”ولاد البلد”، أن مرض الزهايمر يحدث نتيجة موت خلايا المخ تدريجيا بمرور الوقت، وأن أسباب المرض تأتى وفقا لما حددته جمعية ألزهايمر، هم: التاريخ العائلي لمرض الزهايمر، الشيخوخة، وحمل جينات معينة متضاربة ووقتها يحدث المرض، التدخين بشراهة، وارتفاع الكوليسترول، والاكتئاب المتكرر، والخمول البدني والغذاء غير الصحي.

الوقاية

وتشير نصر إلى 4 أشياء يساعدون في الوقاية من الزهايمر:

1- تناول الطعام الصحي المتوازن والنباتات والخضروات.

2- ممارسة التمارين الرياضية بانتظام.

3- الحفاظ على صحة القلب والأوعية الدموية.

4- التوقف عن التدخين.

الوسوم