ولاد البلد

“أحمد ماضي” وفاة ثالث طبيب بمستشفى صدر المعمورة بكورونا.. وزملائه: من التالي؟

“أحمد ماضي” وفاة ثالث طبيب بمستشفى صدر المعمورة بكورونا.. وزملائه: من التالي؟ الدكتور أحمد ماضي؛ اخصائي بمستشفي صدر المعمورة

“أنا الآن في بداية طريق أعلم نهايته المحتومة، طالما شاهدته وأنا طبيب مسؤول عن علاج هذا المرض اللعين، وأستطيع أن أري نهايته الآن بوضوح، وإن حانت لحظتي، فوصيتي أطفالي الذين لن أفرح بهم. أستودعك يا الله هؤلاء الضعفاء الذين لا حول لهم ولا قوة إلا بك، وأن تذكروني إخوتي بكل جميل ولا تنسوني من صالح دعائكم”.

كانت هذه آخر رسالة تركها الدكتور أحمد ماضي، أخصائي الأمراض الصدرية بمستشفى صدر المعمورة بالإسكندرية، الذي وافته المنية مساء أمس السبت بعد معاناته مع الإصابة بفيروس كورونا المستجد، ليكون ثالث طبيب بالمستشفي يلقى الشهادة، وذلك عقب أيام من وفاة الدكتور محمد ندير، وسبقهمها الدكتور ياسر عثمان، استشاري الأمراض الصدرية بالمستشفي.

الدكتور أحمد ماضي؛ اخصائي بمستشفي صدر المعمورة
الدكتور أحمد ماضي، أخصائي بمستشفي صدر المعمورة

وتضمنت رسالة الدكتور ماضي الأخيرة، وصف لما كان يعانيه قائلا: “بينما أنا راقد علي سريري بالعناية المركزة، أكافح كي أتنفس الهواء بصعوبة، وأعاني من ألم رهيب ينهش كل قطعة من جسدي الذي لم يبق فيه شىء غير متصل بالأنابيب وخراطيم، وأراقب نظرات زملائي من الأطباء والتمريض ما بين خوف ورجاء، وأتابع إعلان جهازي التنفسي الرباني فشله عن العمل”.

رحلة مرض الدكتور “ماضي” سبقه فيها صديقه في المستشفي الدكتور محمد ندير، ليكونا ليسا فقط زملاء في المهنة والتخصص والإخلاص في تأدية الواجب المقدس ضد الفيروس، ولكن أيضا زملاء في المرض والشهادة.

الدكتور ماضي بصحبة صديقه الدكتور ندير
الدكتور ماضي بصحبة صديقه الدكتور ندير

وفي الرسالة الأخيرة لماضي، ذكر صديقه قائلا، “منذ أيام ودعت زميلي الذي كان يرقد على بعد خطوات مني وكان قد سبقني إلى ما أنا ذاهب اليه الآن، وأشهد الله بأني لم أقصر في أداء الواجب وتحمل الأمانة، وأرجو من الله أن يتقبلها خالصة لوجهه الكريم، وأن يجعل عملنا ومرضنا هذا في ميزان حسناتنا يوم نلقاه”.

الدكتور ماضي بصحبة صديقه الدكتور ندير
الدكتور ماضي بصحبة صديقه الدكتور ندير
الآلاف يشيعون جثمانه

وليد ماضي؛ شقيق الطبيب الراحل، يقول إن الآلاف من أهالي قرية أبوغنيمة التابعة لمركز سيدي سالم بمحافظة كفر الشيخ، شيعوا جثمان شقيقه أمس، لافتا إلى أنه كان يتمتع بحب كبير بين أهالي قريته نظرا لتعاونه الدائم معهم وعلاجه لأي حالات طارئة أو محتاجة منهم دون مقابل.

وأفاد وليد، أن شقيقه الدكتور أحمد، البالغ من العمر ٣٧ عاما، تخرج من كلية الطب بجامعة الإسكندرية عام ٢٠٠٦، وعمل نائبا لمدير مستشفى الصدر بالمعمورة في الإسكندرية، وكان من أوائل من تولى العمل علي معالجة مصابي فيروس كورونا في مستشفى العزل بالعجمي.

وأفاد وليد، أن شقيقه دائما ما كان يشجع المواطنين منذ شهر مارس الماضي من خلال فيديوهات يبثها إليكترونيا علي ضرورة أخذ الاحتياطات الواجبة لمواجهة الفيروس الذي توقع له الاندثار قريبا، مطالبا محافظ كفر الشيخ، بإطلاق اسم شقيقه على إحدى مدارس القرية تكريما وتخليدا لذكراه.

رثاء ووفاء

الدكتور ياسر قشطة؛ مدير مستشفي صدر المعمورة، قال إنه يحتسب الدكتور ماضي عند الله شهيدا، نظرا لما قدمه من جهود ورعاية وإخلاص في مواجهة فيروس كورونا، حتي أصبح في عداد المصابين ووافته المنية.

نقابة الأطباء تنعي الدكتور ماضي

“الأطباء يتساقطون تباعا ما بين الموت والمرض، والحالات في تزايد كبير، الجديد والمخيف أكثر أن من أصيب قد يصاب بالمرض مرة أخرى، أو مناعته مؤقتة، بحسب الدراسات حتى الآن، ورغم كل ذلك ما زال الأطباء يعملون بإخلاص ويبذلون كل ما في وسعهم وطاقتهم.. بل يعملون في أسوأ الظروف”، يقول الدكتور يحيي علاء الدين، طبيب بالمستشفى الرئيسي الجامعي.

أما الدكتورة دينا محمد، زميلة ماضي في المستشفي فعبرت عن غضبها قائلة “نطالب بوقف طوارئ المستشفى وتحويله لمستشفى عزل فقط، نظرا لأنها تعمل حاليا في مهام الفرز للمشتبه بهم والعزل للمصابين، مما يجعل طاقم العمل والتمريض لا يلاحقون على أداء المهمتين”.

الدكتور أحمد ماضي؛ اخصائي بمستشفي صدر المعمورة
الدكتور أحمد ماضي؛ بصحبة زملاؤه من مستشفي صدر المعمورة

وأكدت “دينا” أن طاقم المستشفى غالبيته مصاب والبقية معرضون للإصابة، مطالبة بغلق المستشفى مؤقتا لتعقيمه، وتنظيم أوضاعه لتحويله للعزل ومن ثم إعادة تشغيله.

أطباء علي حافة الموت

أما الدكتور أحمد فهمي، أخصائي العناية بالمستشفى فنعى “ماضي” قائلا إنه حتى اللحظة الأخيرة كان نموذجا يحتذى به في الإخلاص في العمل، وكان يعلم أن جميعنا بالمستشفى على حافة الموت، ولكن شجاعته كانت أقوى من أن تهتز، وكان يطالبنا ببذل كل ما في استطاعتنا لمحاربة الفيروس اللعين.

ووجه فهمي رسالة لنقابة الأطباء، يقول فيها، “رجاء إيضاح ما موقف النقابة من شهداء الواجب من الأطباء، وكيف تقوم بتكفل أطفالهم وأسرهم بعد فقد عائلهم من الناحية المادية والمعنوية”.

كما أشار الدكتور إسلام ناصر، طبيب بالمستشفى نفسه، إلى أن مستشفى صدر المعمورة منذ بداية انتشار فيروس كورونا، يجسد ملحمة كاملة من أطباء وتمريض ووحدات مساعدة، ومعمل، وأقسام مكافحة العدوى والسلامة، والجميع فيه يعمل علي قلب رجل واحد، مشيرا إلى أن جميع المستشفيات تشهد نفس الملحمة، ولكن ستر الله واجتهاد الزملاء يرزقهم التعافى.

وطالب “ناصر” وزارة الصحة بضرورة التعامل مع الفترة الحالية على أنها ذروة التفشي للفيروس بين الأطباء، وأن يتم وضع مستشفى صدر المعمورة تحت الملاحظة والرقابة الكاملة لخطورة الوضع على الأطباء به، مطالبا نقابة الأطباء بتقديم وسائل رعاية لأسر الشهداء من الأطباء.

فيما قال الدكتور هاني مهني، أخصائي جراحة القلب والصدر، أن “ماضي” كان واحدا من أبطال محاربة المرض بمستشفي العجمي للعزل الصحي ومن أوائل الأطباء الذين شاركوا في العزل الصحي في مصر، فضلا عن أنه طبيب وإنسان شديد الإخلاص لمهنته ومرضاه، داعيا الله أن يتقبل عمله وينزله بمنزلة الشهداء.

وأخيرا طالبت الدكتورة مني مينا، عضو مجلس النقابة العامة لأطباء مصر، زملائها من الأطباء بالإسكندرية بأخذ الحذر بشدة، وذلك لأن نسبة الوفيات بينهم مرتفعة خلال الفترة الماضية، ناعيه ماضي قائلة: “رحم الله زميلنا الشهيد بإذن الله رحمة واسعة، ورحمنا الله وحفظنا برعايته”.

رعاية أسر شهداء الأطباء

ومن جانبها، أعلنت نقابة الأطباء بالإسكندرية، عبر صفحتها الرسمية بفيسبوك، مساء أمس السبت، أنه تقرر إنشاء لجنة رعاية أسر شهداء الأطباء بالاسكندرية بسبب فيروس كوفيد 19، مع اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لتخصيص حساب بنكى لقبول المساهمات وتقديم الدعم ووضع لائحة ومعايير إدارية ومالية لاستحقاق الصرف وتنظيمه ومتابعته والإشراف عليه.

وأضاف البيان، “يرحب المجلس بأي آراء أو مقترحات يكون من شأنها المساهمة فى دور هذه اللجنة لصالح أسر الشهداء، ورحم الله شهداءنا وشفى مرضانا وحفظ مصرنا”.

الوسوم