ولاد البلد

فيديوجراف| صانعو الشماسي بالخيامية.. 5 أشهر وقف حال بسبب كورونا والرزق لم يأت بعد

فيديوجراف| صانعو الشماسي بالخيامية.. 5 أشهر وقف حال بسبب كورونا والرزق لم يأت بعد

على مقربة من سوق الجمعة بمنطقة مينا البصل غربي محافظة الإسكندرية، تجد سوق صناع الخيامية أو الشماسين، الذي يزدهر بألوان الأقمشة الزاهية المزخرفة المستخدمة في صناعة شماسي البحر والبرجولات وسرادقات الموالد والجلسات العربي.

عند تجولك بالمنطقة، يجذب نظرك هذا الإبداع الفني المصري البسيط، لكن رغم ذلك لم يجد له زائر واحد للشراء، فحركة البيع والشراء متوقفة بل في ركود تام هذا الصيف، فالوضع بالسوق على غير عادته المعروفة بالزحام والتكدس الشديد، حيث يعم الهدوء أرجاء منطقة أصحاب الخيامية، ليكسو الحزن وجهوهم، بسبب رزقهم المتوقف تماما جراء جائحة فيروس كورونا المستجد.

محال صناعة الشماسي في مينا البصل - تصوير: نشوى فاروق
محال صناعة الشماسي في مينا البصل – تصوير: نشوى فاروق
مهنة الخيامية

فمهنة الخيامية أو صانع شماسي البحر والبرجولات، من أشهر المهن القديمة الموجودة في منطقة مينا البصل غربي محافظة الإسكندرية، عانت مؤخرا مثل مثيلاتها من المهن الموسمية المختلفة، بسبب جائحة فيروس كورونا، ما جعلها تتأثر بشكل كامل عكس المهن الأخري التي وجدت بارقة أمل بعد رفع حظر التجوال.

لكن صانعو الشماسي تأثروا بنسبة 90%، بسبب غلق الشواطئ العامة حتى الآن، وأصبحت نسبة العمل لا تتعدى 10%، فيما يأمل الخيامية في أن تتخذ الحكومة قريبا قرار بفتح الشواطئ، لإنقاذهم من الخراب.

“ولاد البلد”، زارت سوق الخيامية ورصدت بالصور الوضع الذي يعيشه التجار والعاملين في هذا المجال الذين تأثروا كثيرا في مهنتهم بسبب جائحة فيروس كوفيد 19.

محال صناعة الشماسي في مينا البصل - تصوير: نشوى فاروق
محال صناعة الشماسي في مينا البصل.. تصوير: نشوى فاروق
وقف حال

على ناصية سوق الخيامية يجلس هاني أحمد، في الأربعينات من عمره، أمام ماكينة الحياكة داخل محل لصناعة الشماسي البحرية والكراسي وأشغال الخيامية، يكسو الحزن والألم وجهه، في انتظار زبون واحد يطرق بابه، حتى يتسنى له العيش من مهنته، التي لا يعرف غيرها وتوقفت تماما بسبب الجائحة.

وبنبرة صوت هادئة، يقول هاني، الذي يملك محلا لصناعة الشماسي بمينا البصل، لـ”ولاد البلد”، إنه ورث مهنة صناعة شماسي البحر والبرجولات أبا عن جد، مشيرا إلى أن كل عائلته يعملون في هذا المجال، كما أنه يعمل منذ نعومة أظافره من حوالي 30 عاما، حتى عشق المهنة وأفنى حياته فيها لخلق صناعة مميزة لا يمكن الاستغناء عنها على مر الزمن.

ويضيف هانى، أن تخصص مهنتهم في صناعة شماسي البحر والبرجولات الخاصة بالقرى السياحية وستائر البلكونات وغطاء السيارات وديكور شماسي الكافيتريات.

سوق الشماسي بمنطقة مينا البصل - تصوير: نشوى فاروق
هاني أحمد.. تصوير: نشوى فاروق
الخامات

ويؤكد أنهم يستخدمون الخامات مثل المشمعات، والأقماش القطنية المصرية، التي تأتي من المحلة الكبرى وسمنود، والأخشاب المصرية ذات الجودة العالية، وبأسعار مناسبة لكل طبقة، فالطبقة المتوسطة لها مطلبها وسكان الساحل الشمالي لهم طلبات معينة مرتفعة الأسعار.

ويوضح هانى، أن مع جائحة فيروس كورونا تم غلق محله لمدة 5 أشهر، ما تسبب في وقف رزقه لكونه لا ليس له دخل آخر، فصرف كل ما يملك لقضاء فقط متطلبات الحياة من المأكل والملبس والمشرب.

سوق الشماسي بمنطقة مينا البصل - تصوير: نشوى فاروق
سوق الشماسي بمنطقة مينا البصل.. تصوير: نشوى فاروق
العودة بنسبة 5%

ويشير الرجل الأربعيني إلى أنهم عادوا للعمل فقط قبل عيد الأضحي بأسبوعين فقط، ومع ذلك وقف الحال لا زال مستمرا، لأن شواطئ العامة مغلقة، مضيفا: “نحن نعمل بنسبة 90% على هذه الطبقة و10% الأخرى هي طلبات الكافيهات والقرى السياحية، وحتى الآن الشغل لم يعد إلا بنسبة 5%”.

ويوضح أن فيروس كورونا دمر موسم رزقهم الصيفي، فيما يأمل أن تفتح الشواطئ العامة قريبا حتى تعود الحياة لهم وحركة العمل، مشيرا إلى أن موسم عملهم مقسم على موسمين، الأول يبدأ في نصف العام في فبراير، والثاني يبدأ مع حلول فصل الصيف، وهو الموسم الأكثر انتعاشا.

ويكمل: لكن موسم الشتاء يقتصر على بيع ستائر البلكونات وغطاء السيارات وفرش عربات الخضار، عكس موسم الصيف الذي يرتكز في الشغل علي الشماسي البحرية والكراسي.

وعن الأسعار يشير هاني غلى أنها تبدأ من 150 جنيها للشمسية، وفقا لدرجة الخامة وحجمها فهناك خامات من الجلود والقطنيات ومشمعات مستورة وبلاستيك وخرزان وحديد وكل زبون حسب إمكانياته واختيار الخامات.

محمد اللول- صاحب محل لصناعة الشماسي بمين البصل - تصوير: نشوى فاروق
محمد اللول- صاحب محل لصناعة الشماسي بمينا البصل.. تصوير: نشوى فاروق
مهنة للزمن

أما محمد عبد الغنى، الشهير بـ محمد اللول، يبلغ من العمر 63 عاما، ويعد واحدا من أشهر صناع الشماسي والبرجولات في منطقة مينا البصل، حيث مهنته منذ كان طفلا يبلغ من العمر 5 سنوات، حتى أن وصلت جملة سنوات عمله في تلك المهنة إلى 40 عاما، بدأ فيها بصنايعي حتى أن وصل بكفاح وكد وأصبح صاحب محل وتاجر شهير يأتي الزبون علي أسمه.

يحكى اللول لـ”ولاد البلد”، قصته قائلا: “والدتي زمان كانت قليلة الحيلة لا تملك أموال لتعليمي، فقررت أن تعلمني صنعة فأخذتني من يدي وأنا طفل ابن 5 سنوات لأعمل لدى واحدا من كبار صناع الشماسي  منذ 50 عاما”.

ويضيف: “كنت وقتها أقضي طلباتهم لكن كانت تجذبني ألوان الأقمشة المزخرفة، وحينما بلغت سن 12 عاما أصبحت أعمل صنايعى، وشربت المهنة حتى أصبحت “كوماندا” على الرجال الكبار، لمهارتي في الشغل، وحينما بلغت سن 25 عاما، قررت أن أعمل بمفردي وأكون أنا صاحب العمل، وأبلغت المعلم وقتها برغبتى”.

ويسرد اللول، أن صاحب العمل كان رجل ذو أخلاق فوافق على رحيله وأعطاه مكأفاة 6 آلاف جنيه، ليشتري بعدها المحل الذي يملكه الآن، وبعدها سافر للعراق والأردن ثم إيطاليا، ليتعلم هناك مهارات الحياكة التي جعلتنه محترفًا ومميزًا في مهنته.

محمد اللول- صاحب محل لصناعة الشماسي بمينا البصل - تصوير: نشوى فاروق
محمد اللول صاحب محل لصناعة الشماسي بمينا البصل.. تصوير: نشوى فاروق
زبائن من الطبقة الغنية

خبرة  اللول فى صناعة الشماسي، جعلت اللول يكتسب رواد وزبائن من الطبقات الغنية، وملاك الساحل الشمالي الذين يأتون خصيصا للشراء منه، وتصميم شماسي وبرجولات بحر بمستوى عالٍ.

لكن رغم خبرته الكبيرة، إلا أن اللول عانى كثيرا بسبب توقف العمل تماما بسبب جائحة كورونا، مشيرا إلى أن الفيروس تسبب في خسارة فادحة له، حيث كان يملك مبلغ 100 ألف جنيه خلال فترة غلق المحل، ضاعت كلها على متطلبات الحياة.

لكن تزامنا مع حلول عيد الأضحى، عاد اللول للعمل مجددا، لكنه كان حينها صفر اليدين، ليتعاون مع زملائه في المهنة، حتى بدأ يعمل بشكل خفيف، لأن الشواطئ العامة ما تزال مغلقة، ويعمل فقط بنسبة متوسطة على سكان الساحل الشمالي والكافيتريات.

يضيف اللول، أن فترة غلق الشواطئ والكافيهات تسببت لهم في خسائر كبيرة، حيث عندما عادوا للعمل منذ نحو أسبوعين، وحتى الآن الشغل ما زال ضئيلا لا يغطي الضرائب والمصروفات والعمالة التي يدفعونها.

خسارة فادحة

“فترة التوقف التي مرت علينا، جعلتنا نخسر ونفقد رأس مالنا ومع ذلك تضرر عمالة الصنايعية الذين لا يعرفون مهنة أخرى غير صناعة الشماسي والكراسي البحرية والخيامية بشكل عام، فالأزمة عصفت بتجارتنا للأسف، ونأمل أن تفتح الشواطئ العامة قريبا حتى نوفر لقمة العيش فقط”.. هكذا شرح الحاج خليل أحمد محمد، صاحب محلات كبرى لصناعة الشماسي بمنطقة مينا البصل بالإسكندرية، لـ”ولاد البلد”.

الحاج خليل أحمد صاحب محل صلناعة الشماسي في مينا البصل - تصوير: نشوى فاروق
الحاج خليل أحمد صاحب محل صلناعة الشماسي في مينا البصل.. تصوير: نشوى فاروق

ويقول الحج خليل، إن هذا المهنة مهنة خالدة، لا يمكن أن تندثر أبدا ولا يتم الاستغناء عنها، لكونها من الأساسيات علي مر الزمن، حيث إن زبونها لا يختفي إن كان صيفا أو شتاء.

ويضيف الحج خليل، أنهم يبيعون مختلف الخامات من الشماسي، حيث تبدأ سعرها من 200 جنيه وصولا إلى 1500 جنيه حسب المناطق التي تطلبها والأماكن السياحية، مؤكدا أن الخامات تكون من  الأقمشة القطنية من المحلة الكبرى وسمنود، والأخشاب المصرية القوية من الزان.

لكن مع جائحة كورونا التي لم تنتهي بعد، يشير خليل إلى أن عمليات البيع الآن مقتصرة على طلبات قرى الساحل الشمالي، لأنهم فقط من يستقبلون المصطافين، فالشواطئ العامة ما زالت مغلقة.

المصري يكسب

ويؤكد الحج خليل، أن هناك فترة ظهرت فيها الشماسي الألوميتال الصينية، لكنها لم تنجح أمام الشمسية المصرية، حيث إن الأولى مرتفعة الثمن وتتلف سريعا، أما المصرية فتعيش حتى 50 عاما، وتجدد فقط، لذلك اختفت الصيني سريعا، فليس لها مكانة أمام المنتج المصري المميز.

الحاج خليل أحمد صاحب محل صلناعة الشماسي في مينا البصل - تصوير: نشوى فاروق
الحاج خليل أحمد صاحب محل صلناعة الشماسي في مينا البصل.. تصوير: نشوى فاروق
رزقنا واقف

لم يختلف الحال كثير لدى أسامة علي، صنايعي الخيامية، والذي يعمل في مهنته منذ 30 عاما، ومتمكن منها بشكل كامل طوال سنوات عمله، حيث يقول لـ”ولاد البلد”، إن المكسب كان وفيرا، ويقضي متطلبات أسرته، لكن مع ظهور فيروس كورونا المستجد تأثر الوضع لأول مرة، ليتوقف عمله بشكل كامل لنحو 6 أشهر.

أسامة علي - تصوير: نشوى فاروق
أسامة علي.. تصوير: نشوى فاروق

أما هانى أبو رفاعي، صاحب سلسلة محال لصناعة الخيامية بمنطقة مينا البصل، فيشير إلى أنه توارث المهنة عن أجداده من 25 عاما حتى الآن، مبينا أنه يعمل على جميع أنواع الخيامية، وكانوا يعملون طوال العام شتاء، والشغل يزداد في موسم الصيف، لكن هذا العام تأثرت المهنة كثيرا بسبب فيروس كورونا، ليتوقفوا 6 أشهر عن العمل بلا دخل ولا إيراد، ويخسروا كثيرا مثلنا مثل باقي المهن.

هانى أبو رفاعي صاحب محل لصناعة الشماسي بمينا البصل - تصوير: نشوى فاروق
هانى أبو رفاعي صاحب محل لصناعة الشماسي بمينا البصل.. تصوير: نشوى فاروق

يضيف أبو رفاعي، أن الشغل بات مقتصرا على طلبات قرى الساحل الشمالي والكافيتريات والمقاهي وتند المحال وغطاء عربات الخضار وستائر البلكونات، لكن حركة البيع ضئيلة لحد كبير عكس الصيف الماضي فكان البيع كثيرا به.

ويشير أبو رفاعي، إلى أنهم يعملون بخامات مصرية ومستوردة، تتنوع ما بين أقمشة مصرية غزل ونسيج المحلة وسمنود والخشب المصري والخشب مستورد، موضحا أنهم يعملون على ديكورات هندية وقعدات عربي وخيم الموالد، بل إن الأمر وصل للتصدير لسويسرا أيضا لكفاءة أعمالهم المصرية.

هانى أبو رفاعي صاحب محل لصناعة الشماسي بمينا البصل - تصوير: نشوى فاروق
هانى أبو رفاعي صاحب محل لصناعة الشماسي بمينا البصل.. تصوير: نشوى فاروق
ليس لهم نقابة

يعود هانى أحمد، مجددا ليلتقط أطراف الحديث، مبينا أن عملهم  في مهنة حرة بسجل تجاري وتأمين خاص، بدون نقابة تتحدث عنهم ولا حتى شعبة في الغرفة التجارية، جعلهم لا يستطيعون المطالبة بحقوقهم، مؤكدا أنه حتى الضرائب لم ترحمهم في فترة حظر التجوال بسبب فيروس كورونا.

ويتفق معه في الرأي الحج خليل أحمد محمد، ويضيف أنهم تجار يعملون بشكل حر، لذا لا تسأل عنهم الدولة في أي شيء.

سوق الشماسي بمنطقة مينا البصل - تصوير: نشوى فاروق
سوق الشماسي بمنطقة مينا البصل.. تصوير: نشوى فاروق
الضرائب لا ترحم

ويؤكد الحج خليل: “خلال فترة توقف كورونا وبعد أن عدنا من أسبوعين فوجئنا بالضرائب تطالبني بدفع 10 آلاف جنيه و1000 جنيه تأمينات ونحن أكثر من 6 أشهر لا نعمل”، متسائلا: “لماذا لم ترفع عنا الدولة الضرائب في فترة عمل لم نعملها؟ والنتيجة التي حصلت عليها هي تقسيط المبلغ حتى أتمكن من الدفع”.

سوق الشماسي بمنطقة مينا البصل - تصوير: نشوى فاروق
سوق الشماسي بمنطقة مينا البصل.. تصوير: نشوى فاروق

وفي النهاية يأمل التجار والصنايعية أن تعود الحياة للسوق وفتح الشواطئ العامة قريبا، مطالبين الدولة بالوقوف بجوارهم وتخفيض الضرائب لهم حتى يتمكنوا من العيش.

الوسوم