ولاد البلد

رحلة إلى الموت| شاطئ النخيل يبتلع ١٢ ضحية.. وتبادل الاتهامات حول المسؤولية

رحلة إلى الموت| شاطئ النخيل يبتلع ١٢ ضحية.. وتبادل الاتهامات حول المسؤولية شاطئ النخيل - أرشيفية

مع دقات الساعة السابعة من صباح أمس الأحد، وفي وجود عشرات الأهل والأصدقاء المكلومين علي ضحاياهم، استطاع فريق الإنقاذ البحري بقيادة محمد القرموطي، انتشال جثمان الشاب أيمن غريب البالغ من العمر 17 عاما، من أبناء قرية أبو المطامير بمحافظة البحيرة، بعد عملية بحث استمرت قرابة 50 ساعة، بعد غرقه في شاطئ النخيل فجر الجمعة الماضية.

مأساة متكررة تعيشها الإسكندرية مع هذا الشاطئ المُلقب ببحر الموت، فعلى مدار الأيام الثلاثة الماضية، استمرت رحلة البحث عن جثمان ضحايا حادث الغرق الجماعي، الذي شهده “النخيل”، ليصبح إجمالي عدد الضحايا الذين تم انتشال جثامينهم 11 شابا، فيما يتبقي جثة طفل يُدعى “شادى عبد الله غماز” من مركز كوم حمادة، حيث تستمر رحلة البحث عنه، بعد انتشال جثمان شقيقه الغارق “عثمان”.

أيمن غريب- إحدي غرقي شاطئ النخيل
أيمن غريب- أحد غرقى شاطئ النخيل

بدأت واقعة الغرق فجر يوم الجمعة الماضي، حين كانت عقارب الساعة تشير إلى الخامسة والعشرين دقيقة، حيث تسلل عدد من الشباب الذين أتوا من محافظات مختلفة في رحلات ترفيهية إلى مياه شاطئ النخيل، رغم وجود لافتة تشير لغلق الشاطئ، في إطار قرارات الحكومة، ضمن الإجراءات الاحترازية المتبعة، لاحتواء أزمة فيروس كورونا المستجد.

لافته تشير لغلق شاطئ النخيل-المصدر إدارة السياحة والمصايف
لافتة تشير لغلق شاطئ النخيل – المصدر: إدارة السياحة والمصايف

بعض هؤلاء الشباب كانوا يسبحون بالفعل في مياه البحر، بينما كان البعض الآخر يجلس على رمال الشاطئ حين ارتفعت صيحات استغاثة لغرق طفل، فهرول عدد آخر من الشباب لمحاولة إنقاذه؟ إلا أن الموت كان في انتظارهم ولم يتمكنوا من الخروج مرة أخرى، حسبما روى حازم محمد؛ 18 عاما، أحد أبناء قرية أبو المطامير، وضمن الناجين من الغرق، بعد أن تم إنقاذه قبل أن تبتلعه الأمواج.

لحظات عصيبة كانت مجرد دقائق عاشها حازم وعدد آخر من الشباب، ولكنها مرت عليه كساعات من قسوتها، رأى الموت بعينه حتى أنه ظل ينطق الشهادة ظنا منه أنه لن ينجو، خاصة بعدما باعدت الأمواج بينه وبين صديقه “أيمن غريب” الذي لم يتم إنقاذه، ليجد نفسه يصارع دوامات الموت وحده حتي أنقذه مجموعة من الشباب بعد تعلقه بالصخور.

رحلة قصيرة ولكنها تحولت لمأساة طويلة، بدأت قرر حازم اصطحاب صديقه أيمن غري، قبل الحادث بساعات قليلة إلي شاطئ النخيل واستعدوا لنزول البحر في الساعة الخامسة فجراً، وذلك ضمن خطة أن يخرجوا خلال ساعة حتي يتمكن “حازم” من الذهاب إلي تمرين كرة القدم في أحد نوادي الإسكندرية في السابعة صباحا، ولكن خلال دقائق من نزولهم لمياه البحر ارتفعت الأمواج وتسببت في تفرقهم.

خلال دقائق معدودة استطاع عدد من الشباب إنقاذ حازم من الغرق، ولكن ظل جثمان صديقه “أيمن” مفقود حتي صباح اليوم الأحد، ولم تستطيع قوات الإنقاذ الخاصة التي استعان الأهل بها أو التي خصصها مسؤولي الشواطئ بالإسكندرية من إيجاده، نظرا لتعلقه بين الصخور.

“حبيبي طلع من المياه”.. بتلك العبارة نشر سعد غريب، الشقيق الأكبر للشاب الغريق، خبر العثور على جثمان أخيه، عبر حسابه الشخصى على موقع التواصل الاجتماعى “فيسبوك”، والذي كان قد أعلن أمس عن حاجته لفريق إنقاذ البحث عن شقيقه مقابل أي مبلغ مادي.

رحلة الموت التي نجا منها “حازم” وراح فيها صديقه “أيمن”، وتباعا برحلة البحث عن الجثمان، هي ما عاشته العديد من الأسر الأخرى، بعضها فقد أكثر من ابن خلال الحادث، ومن بينهم ما رواه عبدالله زغمار؛ والد لضحيتين من الغرقى أحدهما “عثمان” تم العثور على جثمانه خلال ساعات من الحادث بينما يظل جثمان الابن الأصغر ويدعى “شادي” مفقود.

“لو أعلم أنها كانت رحلة الموت لمنعتهم من النزول للإسكندرية”.. هكذا عقب الأب على فقدان ولديه في حادث الغرق، قائلا إنهما كانا بصحبة شقيقهما الثالث، والذي غرق معهما أيضا ويُدعى “عمرو دسوقي المنسي”، معربا عن تخوفه من أن يظل جثمان ابنه عالقا في المياه، خاصة وأن فريق الإنقاذ بدأ يفقد الأمل في العثور عليه.

الغرقي: عثمان وشادي وعمرو
الغرقى: عثمان وشادي وعمرو
تاريخ شاطئ الموت

لم يكن هذا الحادث هو الأول من نوعه داخل شاطئ الموت، حيث شهد خلال السنوات الماضية أكثر من حادث راح ضحيته عشرات الشباب، وكان أكبرهم عددا في عام 2017، حيث شهد غرق 16 حالة في يوم واحد، ووقتها أعلنت الإدارة المركزية للسياحة والمصايف بالإسكندرية، أن خطورة هذا الشاطئ ترجع لوجود حواجز الأمواج التي وضعت به، وتتسبب في دوامات تحصد أرواح المصطافين.

الحواجز الخرسانية داخل الشاطئ- المصدر السياحة والمصايف

وطالبت الإدارة المركزية جمعية 6 أكتوبر التي كانت تدير الشاطئ، بالخريطة الكاملة لإنشاء تلك الحواجز الموجودة بالمياه، ليتم عرضها على المختصين من أساتذة كلية هندسة، والبت فى هذا الأمر، ما إذا كانت الحواجز الموجودة بالشاطئ تؤثر على التيارات المائية، لتخلق دوامات تؤدى إلى حالات الغرق من عدمه، ولم يخرج نتائج من تلك اللجنة حتى الآن.

وفي عام 2018 ومع تزايد حالات الغرق التي بلغت 5 أشخاص في يوم واحد، تدخل الدكتور محمد عبد العاطى وزير الموارد المائية والرى، وكلف فرق المساحة البحرية بعمل رفع مساحى كامل لمنطقة شاطئ النخيل وإجراء دراسة علمية شاملة له لدراسة تأثير ظاهرة التغيرات المناخية وعوامل المد والجذر والتيارات البحرية لوضع السيناريوهات المختلفة والمشروعات المطلوب تنفيذها لمنع تكرار الحوادث.

حواجز خرسانية

ومن جانب آخر، يرجع إيهاب المالحي، رئيس جمعية الإنقاذ البحري، تزايد حوادث الغرق في شاطئ النخيل إلى وجود حواجز خرسانية وضعت لصد الأمواج، لكنها نفذت بشكل خاطئ وغير مدروس، مما تسبب في وجود دوامات تبتلع المواطنين، حيث وصفها بأنها مجرد أنفاق تؤدي إلى الغرق، خاصة مع ارتفاع حركة الأمواج.

الحوادث الخرسانية داخل الشاطئ- المصدر السياحة والمصايف
الحواجز الخرسانية داخل الشاطئ- المصدر السياحة والمصايف

ويقترح المالحي أن توضع دراسة جديدة لمعالجة أمر الشاطئ، لافتا إلى وجود حلول عديدة يمكن أن يتم المعالجة بها، ومن ضمنها عمل تكريك للرمال أسفل الصخور لمعالجة أمر الحواجز، مطالبا بضرورة وضع إجراءات مشددة لمنع المواطنين من النزول لمياهه بالمخالفة للتعليمات.

نصائح لتجنب الغرق
نصائح لتجنب الغرق
نائب: قرار الغلق حبر على ورق

“قرارات ولافتات غلق الشاطئ حبر على ورق، وجمعية 6 أكتوبر تتحمل مسؤولية إهمال الشاطئ وتدميره بالحواجز الصخرية وإهدار أرواح 56 شاب خلال الخمس سنوات الماضية”.. بتلك الكلمات علق المهندس محمد فرج عامر، عضو مجلس النواب بمحافظة الإسكندرية، مؤكدا أنه تقدم بطلبات إحاطة على مدى أربع سنوات لتفاقم حالات الغرق فيه.

وأكد عامر، أن الحوادث المتكررة في هذا الشاطئ تعتبر قضية فساد كبرى، تستلزم محاسبة جميع الأطراف المعنية، دون وضع حلول والاكتفاء بعمل لجان بحثية مع كل حادث غرق جماعي.

ويطالب عامر بتحويل الجمعية المسؤولة عن تشغيل شاطئ النخيل إلى النائب العام، لتسببها فى حالة الإهمال وعدم الإحكام في مراقبته.

تبادل المسؤولية

من جانبها، أصدرت جميعة 6 أكتوبر، وهي الجهة التي تم تخصيص الشاطئ لها منذ قرابة 20  عاما، بيانا صباح يوم الحادث، تؤكد فيه عدم مسؤوليتها عن الواقعة، نظرا لأنه تم سحب التخصيص للشاطئ منها منذ 5 أشهر، بسبب سوء الخدمات من مجلس إدارتها.

ولفتت الجمعية إلى أن الإدارة المركزية للسياحة والمصايف، هي الجهة المشرفة على الشاطئ الآن.

وأشارت الجمعية إلى أنه حتى الآن لم يتم إخطارها رسميا بقرارات المكتب التنفيذى لمحافظة الإسكندرية، الذي نشر في وسائل الإعلام بإعادة تخصيص الشاطئ للجمعية مرة أخرى، بسبب قرارات رئيس مجلس الوزراء بغلق الشواطئ، ضمن إجراءات مكافحة فيروس كورونا المستجد.

اخلاء شاطئ النخيل تصوير: إعلام حي العجمي

وأوضحت الجمعية أنه رغم ذلك، فإن هناك تعاونا مع الإدارة والمحافظة عندما يطلب منها ذلك، وتقوم إدارة الجمعية في الإسكندرية بتنفيذ كافة المطالب سواء الخاصة بالشاطئ، مؤكدا أن ما يزيد الإقبال على هذا الشاطئ كونه بلا أسوار على مسافة أكثر من 1600 متر.

وأرجعت الجمعية تزايد حالات الغرق خلال السنوات الماضية إلى نزول معظم الغرقى، قبل مواعيد العمل الرسمية أو بعدها وهي الفترة من الشروق إلي الغروب، حيث تكون مياه البحر مظلمة ويصعب فيها الرؤية، بالإضافة إلى عدم تواجد عمال إنقاذ قبل شروق الشمس.

فيما أرجعت الإدارة المركزية للسياحة والمصايف، سبب الحادث أن عددًا من المواطنين نزلوا البحر بشاطئ النخيل الساعة الخامسة و20 دقيقة فجر أمس الأول، هربًا من ملاحقة الأجهزة الأمنية بالمخالفة لقرار حظر ارتياد الشواطئ الصادر من مجلس الوزراء، ضمن الإجراءات الاحترازية لمواجهة فيروس كورونا.

وأضاف البيان أن أكثر من 10 أشخاص لقوا مصرعهم غرقًا دفعة واحدة، أثناء نزولهم البحر تباعًا لإنقاذ أحد الأطفال من الغرق، والذي لقي مصرعه هو الآخر.

وناشدت المحافظة الإدارة المركزية للسياحة والمصايف، تنفيذ تعليمات مجلس الوزراء بعدم التواجد على الشواطئ، وعدم مخالفة التعليمات حرصًا على سلامة الجميع.

إنشاء سور بطول 1700 متر

من جانبه قال اللواء محمد الشريف؛ محافظ الإسكندرية، إن شاطئ النخيل يعد من الشواطئ الخطرة، نظرا لارتفاع حالات الغرق به ووجود التيارات المائية “الدوامات” التي تسبب الغرق.

وأرجع المحافظ أسباب ارتفاع حالات الغرق، إلى أن حواجز الأمواج التي تم وضعها لم تنجح في تأدية الغرض منها، وأدت إلى زيادة التيارات المائية.

وأضاف “الشريف” في بيان صحفي، أنه جار دراسة إنشاء حواجز أمواج أخرى جديدة حتى لا تتكرر حوادث الغرق، مطالبا مسؤولي إدارة السياحة والمصايف، ومسؤولي الجمعية الخاصة المستأجرة للشاطئ، بإقامة سور بطول شاطئ النخيل والذي يمتد لنحو 1700 متر، خلال 48 ساعة.

وأوضح محافظ الإسكندرية، أن فكرة السور جاءت من مُنطلق تشديد الحماية على الشاطئ، وللحفاظ على حياة المواطنين لمنع الدخول مُطلقا لحين استيفاء الاشتراطات الآمنة به.

وأوضح “الشريف” أن تكلفة السور المقرر إنشاءه تبلغ نحو 3 ملايين جنيه، وهو عبارة عن “سور تركيب” يُسمح برؤية البحر بطول 1700 متر،  لافتا إلى أنه نسق الأمر مع أعضاء مجلس إدارة جمعية 6 أكتوبر والمتواجد بها الشاطئ، لوجود عقارات سكنية مُطلة بشكل مباشر على رمال الشاطئ دون وجود طرق فاصلة.

وأكد “الشريف” أنه كلف الجمعية المسؤولة عن الشاطئ، بتكليف مشرفين بالتواجد على الشاطئ المغلق من صلاة الفجر وحتى الغروب، لمنع وتفريق أي تجمعات، بالإضافة إلى تواجد مسؤولى الإدارة المركزية للسياحة والمصايف وقوات أمن الشرطة، لمنع أي تجمعات أو النزول إلى مياه البحر، وكذلك توفير عمال إنقاذ على الشاطئ وشركة حراسة خاصة، وشركة خدمات.

الوسوم