وداعا لمن جعلنا نقرأ.. شباب الإسكندرية يودعون عم “إبراهيم” أقدم بائع صحف

وداعا لمن جعلنا نقرأ.. شباب الإسكندرية يودعون عم “إبراهيم” أقدم بائع صحف عم إبراهيم- المصدر: أبنه

في زاوية مميزة بناصية شارع الفريد ليان بمنطقة رشدي في الإسكندرية ، يفترش رصيف مكون من ستة أمتار بأوراق الصحف والكتب والمجلات العربية والأجنبية التي لن تجدها بسهولة في مكان أخر، وبجوار تلك الفرشة يجلس الرجل المُسن لا تفارق الابتسامة وجهه، ينادي عليك بمجرد مرورك ليتجاذب أطراف الحديث معك ويعطيك جولة عن عالمة الكبير بالمعرفة والكتب.

عن عمر يناهز  عامَا، رحل صباح الإثنين الماضي “عم إبراهيم”، أقدم بائع صحف بمنطقة شرق الإسكندرية، والذي يعتبر أحد العلامات المميزة بمنطقة رشدي، حيث يبلغ عمر المكان الذي يفترشه بالكتب والروايات والصحف، على ناصية شارع رئيسي بها، قرابة سبعين عام.

عم إبراهيم- المصدر: ابنه
عم إبراهيم- المصدر: ابنه

بداية الرحلة

بدأ عم إبراهيم رحلته في الإسكندرية في عام 1948، وهو في عمر سبع سنوات، عندما أتى من إحدى قرى الصعيد بصحبة شقيقه الأكبر، قاصدا العمل في عروس البحر، فبدأ بشراء مجموعة من الصحف والسير قدما بها لبيعها للمارة.

وبمجرد أن اكتشف “عم إبراهيم” تزايد حركة البيع في منطقة رشدي التي كانت في تلك الفترة تضم عددا كبيرا من الڤيلل ويسكنها أبناء الطبقة الراقية، فكر في تحويل مساره لمقر ثابت، فأتخذ من أحد الأرصفة مكان له وأنشأ كشكا خشبيا صغيرا، أصبح هو بابه الكبير للرزق والشهرة.

فرشة عم إبراهيم- تصوير: ابنه "إسلام"
فرشة عم إبراهيم- تصوير: ابنه “إسلام”

تعلم ذاتي

لم يتعلم “عم إبراهيم” في مدارس على يد معلمين، لكن صنعت منه الكتب والروايات والصحف التي لازمته، فكرا ناضجا كان يضاهي كبار المثقفين والسياسيين الذين كانوا يجلسون معه أمام فرشته لساعات يدخلون خلالها في أحاديث طويلة.

وكانت المقتنيات المميزة من الكتب والروايات التي كان يستطيع “عم إبراهيم” الحصول عليها بصعوبة حتى تجعل من فرشته الصغيرة مكانة كبيرة، سببا في وصول شهرته لكبار المفكرين الذين مروا على الإسكندرية خلال فترة الستينات والسبعينات، فأصبح من زبائنه الكاتب الراحل نجيب محفوظ وأنيس منصور.

زعماء ومشاهير

وفي سياق سابق كان له زبائن من البشوات، حيث إن أحد العقارات المقابلة لفرشته كانت في السابق ڤيلا يقطن فيها مصطفى باشا النحاس، زعيم حزب الوفد، مع زوجته زينب الوكيل، وكان له طلبات محددة تتمثل في الصحف العربية، وجريدة الخبر الأسبوعية التي كان يصدرها حزب الوفد، وكان ضمن المترددين عليه أيضا فؤاد باشا سراج الدين، الذي كان يمر عليه في العطلة الأسبوعية بسيارته الخاصة لشراء الصحف.

ومع استمرار تميز “عم إبراهيم” في اقتناء كنوز المعرفة، كان يتردد عليه أشهر الكتاب الذين عرفتهم الإسكندرية في فترة التسعينيات، ومن بينهم إبراهيم عبد المجيد وعادل حمودة، ويوسف زيدان وغيرهم من المشاهير والكتاب الذين كانوا يحرصون على شراء بعض الكتب والمجلات، وسط حرص منه على مناقشة كل منهم في أعماله الأدبية.

أما زبائنه من الفنانين فكان على رأسهم الراحل فريد شوقي، حيث كان مواظبا على شراء مجلة الكواكب، وكذلك الفنانة هند رستم، التي كانت تأتي بشكل دوري للإسكندرية لزيارة أسرتها، وكذلك الفنانة رجاء الجداوي، التي كانت تهتم بمجلات الموضة العالمية والأزياء المتخصصة.

الثقافه وتحليل الواقع الاجتماعي والسياسي أصبح من اختصاصات عم إبراهيم في الفترة منذ التسعينات وحتى بعد قيام ثورة ٢٥ يناير، فكان دائم الحديث مع كل من يمر عليه من كبار السن أو الشباب، عن أوضاع البلاد والأمور السياسية المتجددة.

هشام طلعت مصطفى

ورغم الكثير من السكندريين الذين كانوا يترددون علي رصيف “عم إبراهيم”، كان لرجل الأعمال هشام طلعت مصطفي مكانة خاصة في حياته، وهو ما يفسر سبب وجود صورة له على فرشة “عم إبراهيم” التي تحولت بفضله من كشك صغير إلى رصيف كامل تملؤه الكتب والمجلات والصحف.

صورة لهشام طلعت مصطفي علي فرشة عم إبراهيم
صورة لهشام طلعت مصطفي علي فرشة عم إبراهيم

ويرجع السبب في مكانة رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى لدى عم إبراهيم، أنه أنقذه من حملة إزالة واسعة تعرض لها في فترة تعيين اللواء عادل لبيب محافظا للإسكندرية، كانت من الممكن أن تتسبب في إيقاف رزقه وهدم المكان الذي ظل طوال خمسين عامًا سبقت تلك الحملة متواجدا في حي رشدي.

وبتدخل مباشر من رجل الأعمال لدى محافظ الإسكندرية الأسبق، استطاع أن يوفر لعم إبراهيم رخصة من المحافظة تُمكنه من الاستمرار في عمله كبائع للصحف، ليتحول بعد هذا الترخيص إلى رصيف مُجهز تملؤه الصحف والمجلات تحت لافتة مكتوب عليها “صحافة عم إبراهيم”، وهي محطة فاصلة كان كثيرا ما يذكرها الراحل.

وراء كل رجل

من غرفة صغيرة تزوج فيها عم إبراهيم، مرورا بشقة بسيطة، حتى الوصول إلي منزل كامل بناه لأبنائه الثلاثة في منطقة باكوس، كانت رحلة كفاح يرجع الفضل فيها لزوجته، التي دائما ما كان يذكرها قائلا: “وراء كل رجل عظيم إمرأة”، ومن مصدر رزق واحد وهو بيع الصحف تحملت الأسرة عبء هذه الرحلة.

وما كان يميز عم إبراهيم بين زبائنه من الشباب، هو أنه كان سببا في تشجيع العديد منهم على القراءة في مراحل مبكرة عن أعمارهم، وكان يحتفي بمن يتميز منهم في دراسته، بمنحه كتيب أو مجلة مجانية، لتشجيعه على الاستمرار.

وظهر هذا الدعم بقوة عندما أعلن “عم إبراهيم” مؤخرا على الصفحة التي خصصها لنفسه عبر فيسبوك تحت عنوان “صحافة عم إبراهيم” مهنئا الدكتور محمد بدر، والذي كان أحد زبائنه منذ نعومة أظافره، لتعيينه عميدا لكلية الإعلام بجامعة العلوم التطبيقية في ميونخ بألمانيا.

عم إبراهيم بصحبة محمد بدر
عم إبراهيم بصحبة محمد بدر

وكتب عم إبراهيم عن بدر قائلا: “الدكتور محمد أنا اللي مربيه، كل يوم ييجي عندي ويشتري مجلات أطفال وهو صغير، وبعدين أما كبر لقيته عايز النيوز ويك، قلتله أنت لسه صغير عليها دي ميفهمهاش غير الكبار لكنه كان بيصر يشتريها، وحتى الآن لما بييجي من ألمانيا مش بيغير هدومه وبينزل يشوف الكتب الجديدة، وكان له حساب مفتوح عندي”.

المحطة الأخيرة

المحطة الأخيرة لعم إبراهيم مع فرشته، كانت الرغبة في استمرار مكانها وتواجدها بين زبائنه، فقرر أن يجعل ابنه “إسلام” صاحب العقد الثاني من العمر، مساعدا له في عمله، ليرث منه المهنة التي ظل على مدار 72 عاما مخلصا لها ولزبائنه، حتى وافته المنية.

كلمات الرثاء لعم إبراهيم، تخللها الكثير من المشاعر الطيبة، فوصفته مرام فاروق- 32 عاما، مهندسة، بأنه أول من جعلها تقرأ الروايات، بسبب دعمه لها عندما كانت تذهب إليه وهي بعمر 12 عاما بصحبة والدتها، لتشتري مجلات تلوين ومسابقات، فشجعها على تجربة قراءة الروايات الشيقة، التي تعتبر حتى الآن أهم هواياتها.

وأضافت “مرام”، أنها كانت يوميا تمر عليه من أجل الحديث معه، أثناء ذهابها لمدرستها “چيرار” التي تقع بالقرب من فرشة عم إبراهيم، وحتى الآن رغم زواجها وسكنها في حي آخر، إلا أنها في كل زيارة لمنزل عائلتها تمر عليه حتى تحصل على جرعة سعادة من وجهه البشوش- بحسب وصفها.

“الراجل ده من أهم علامات إسكندرية، ساعد أجيال علي القراءة والتطلع، فضله عليّ وعلي جيلي من الشباب كبير، كان بيديني الكتب بنص تمنها لو مش معايا فلوس، ويقسط الباقي بالشهور” قالها مروان مهنا- 38 عاما.

وأضاف “مهنا”، أن رحلته مع القراءة، بدأت بروايات رجل المستحيل التي كان عم إبراهيم يحتفظ له بنسخة خاصة منها، وصولا إلى النيوز وييك التي أصبح من متابعيها، وحتى كتب السياسة والعلوم التي كان يستعيرها بمقابل مادي بسيط.

الوسوم