“موظفة” قطاع خاص في زمن كورونا.. قصة من الواقع

“موظفة” قطاع خاص في زمن كورونا.. قصة من الواقع فيروس كورونا - تصميم: نيفين سراج

قبل نحو أسبوع؛ عادت “إسراء. خ” الشابة العشرينية، التي تعمل مسؤولة مبيعات بإحدى الشركات بالإسكندرية، من عملها، مهرولة إلى دورة المياه كي تغسل يديها، طبقا لتعليمات الصحة للوقاية من فيروس كورونا.

وبينما كانت تتناول وجبتها، قدم والدها الموظف الحكومي، ليخبرهم في سعادة أنه تم تخفيض أعدادهم في العمل، طبقا لقرار مجلس الوزراء، الأمر نفسه الذي تكرر مع بعض جيرانها، الذين يعملون في القطاع الحكومي، لتظل طوال الليل تفكر؛ أيمكن أن تحصل هي الأخرى على إجازة ولو ليومين فقط في الأسبوع أسوة بموظفي الدولة؟

في صباح اليوم التالي، استيقظت الفتاة مبكرا لتستعد لمعاناة يوم جديد، ما بين مواصلات مزدحمة، وعادات خاطئة لبعض المواطنين، كالسعال دون وضع أيديهم، الأمر الذي زاد من مخاوفها أكثر، لاسيما مع تزايد أعداد المصابين بالفيروس العالمي، لتتعلق بأمل وحيد، وهو منحها إجازة تقيها معاناة الخوف والهلع التي تزداد يوما بعد الآخر.

أمل ورجاء

وصلت الفتاة مقر عملها، وسط الإسكندرية، بعد استقلال مواصلتين، وبدا أن كل شيء يسير بشكل طبيعي، إذ استمر مديرها في العمل كعادة كل يوم في إلقاء الأوامر عليها، لدرجة أنها لم تجد فرصة حتى للتحدث معه أو مع زميلاتها حول طلب خفض أعدادهم، أو حتى السماح للفتيات دون الرجال بأخذ إجازة، لتواصل العمل وتحتك بالزبائن، وهي تشعر بقلق من أن يكون أحدهم مصابا، فقط حاولت اتباع تعليمات الصحة لوقاية نفسها من الفيروس القاتل.

بعد أن قضت الفتاة نحو 4 ساعات في العمل، وأثناء فترة الراحة “البريك” سمعت همهمات بين زملائها تدور حول قرارات مجلس الوزراء، وكانت التعليقات تدور حول ظلم موظفي القطاع الخاص، الذي لم تطوله قرارات خفض أعداد المسؤولين.

لكن في نهاية “البريك” فوجئت بدعوتها مع زملائها لمكتب المدير، الأمر الذي فجر الأمل بداخلها مجددا، فقد تكون البشارة قادمة بمنحها إجازة ولو بشكل جزئي.

دلفت إسراء إلى غرفة المدير، مع الموظفين الآخرين، ليضيع الأمل سريعا، فقد كان القرار هو الاكتفاء بشيفت واحد فقط بدلا من اثنين، على أن يكون العمل يوميا من العاشرة صباحا حتى السابعة مساءً، بناءً على قرار الوزراء بغلق المحال التجارية بعد السابعة.

في الطريق إلى منزلها كانت الفتاة تحاول التغلب على مشاعر اليأس بتصفح هاتفها، لتعلم من خلال إحدى المواقع أن المواطنين الأكثر عرضة للإصابة بفيروس كورونا هم الكبار وأصحاب الأمراض المزمنة، لتتذكر على الفور والدتها المريضة بالسكر والكبيرة في العمر، ما ضاعف من مخاوفها، وسخطها أيضا، لتكثر من استعمال الكحول وتطهر كل شيء حتى النقود في حقيبتها، دون أن تتلاشى مخاوفها، فقد يغافلها الفيروس من حيث لا تحتسب.

معركة نفسية

مضت الأيام لتزداد أعداد المصابين بكورونا، وتزداد معها مخاوف الفتاة، فإذا سعلت أو شعرت بآلام ولو بسيطة في جسدها، يدب الرعب في قلبها، ليس خوفا على حياتها، ولكن على والدتها، لدرجة أنها لم تعد تحتضنها أو تقبلها، وإنما تحافظ دائما على مسافة متر بينها، لتعيش معركة نفسية كل يوم، ولتقرر بأن تطلب إجازة من مديرها مهما كلفها الأمر.

في اليوم التالي، وأثناء حديثها مع زميلها “حازم. ع” وجدت أنه يشاركها المعاناة نفسها، فظروفهما تكاد تكون واحدة، ليقررا سويا أن يذهبا لمكتب المدير علّه يتفهم معاناتهما.

وبينما كانت الفتاة وزميلها يقدمان “دفوعهما” أمام المدير، كان الأخير صامتا، حتى أنهيا كلامهما، ليقول لهما كلمة واحدة “عندنا إيجارات ومرتبات ومصاريف لازم تتدفع أول الشهر، ولازم تشتغلوا علشان نقدر نسدد”.

زمن كورونا

وللمرة الثانية، تستقل الفتاة الأتوبيس المزدحم متجهة لمنزلها، بخيبة أمل، لتسمع معاناة رجل في الأربعينيات من عمره، علمت من حديثه لزميله أن اسمه “جمال.م” ويعمل في إحدى شركات العقارات الخاصة بالإسكندرية، إذ كان يؤكد أن شركته تعمل بكامل طاقتها، كأن شيئا لم يكن، موضحا لرفيقه أن حجم العمالة في الشركة يصل لـ30 شخصا في مكان واحد يوميًا، وهو ما يجعله دائمًا في حالة خوف من احتمالية الإصابة، ليتضاعف خوفها أكثر.

وبينما كانت الفتاة جالسة تتناول طعامها بعد عودتها، كان التلفزيون يذيع مؤتمر مجلس الوزراء الذي لم تسمعه أثناء النهار في العمل، الذي يبدو أنه بعيد كل البعد عن القرارات الرسمية، لتسمع قرار حظر التجوال من السابعة مساء وحتى الخامسة، لتفكر مجددا؛ أيمكن أن يغير هذا القرار أي شيء أم سيضيف إلى معاناتها معاناة جديدة؟ قبل أن تستسلم للنوم من التعب والإرهاق دون أن حتى أن تحلم.

الوسوم