من المسؤول عن أزمة انهيار العقارات بالإسكندرية؟.. تهم متبادلة وحلول مستحيلة

من المسؤول عن أزمة انهيار العقارات بالإسكندرية؟.. تهم متبادلة وحلول مستحيلة انهيار عقار بوسط الإسكندرية- تصوير مصطفي حسن

ما زال مسلسل انهيار العقارات القديمة في الإسكندرية مستمرا، ومنذ بداية العام الحالي حتى الآن، شهد حي وسط وغرب الإسكندرية انهيار 7 عقارات، راح ضحيتها 6 أشخاص، وأصيب 4 آخرين، ونجت أسر كاملة بأعجوبة، وإلا كان من الممكن أن يتحول الأمر إلى كارثة أكبر.

على الرغم من اختلاف أسباب الانهيارات تلك، إلا أن الأهالي يتبادلون الاتهامات مع الأهالي، وفي الوقت ذاته، يظل الوضع على ما هو عليه، وتبقى العقارات القديمة والآيلة للسقوط، كوارث مؤجلة في نطاق غرب ووسط المحافظة.

انهيار عقار بوسط الإسكندرية- تصوير مصطفي حسن
7 انهيارات حدثت منذ بداية العام- تصوير مصطفي حسن

7 حوادث في شهرين

في 13 يناير الماضي، كانت بداية الكوارث، عندما لقي 6 أشخاص حتفهم، إثر انهيار عقار قديم من 3 طوابق بمنطقة العطارين بحي وسط الإسكندري، ونجا 4 آخرون بأعجوبة، بعد أن ظلوا تحت الأنقاض لساعات كاملة.

طبقا لرئيس حي وسط، فإن هذا العقار،  مسجل ضمن العقارات الآيلة للسقوط، وصادر له قرار إزالة حتى سطح الأرض برخصة هدم رقم 215 لسنة 2017، ولكن القرار لم ينفذ، لأن السكان رفضوا الخروج منه.

وفي 21 يناير، أنهارت أجزاء من عقار قديم- أيضا- يحمل رقم 74 بشارع مسجد ناجى بمنطقة الدخيلة غرب المحافظة، دون وقوع إصابات، وبعدها في أول فبراير انهار عقار مكون من دور أرضي وأربعة طوابق علوية، بشارع الزرفة، تقاطع ناصية علي الصغير بالقبارى التابعة لحي غرب الإسكندرية، وأسفر عن إصابة شخص من قاطنيه.

في 9 فبراير، شهدت منطقة الورديان بحي غرب، انهيار جزئي للعقار رقم 90 شارع عبدالكريم، المكون من 7 طوابق، دون وقوع إصابات، وفي 12فبراير، أنهار عقار آخر مكون من 6 طوابق بمنطقة الحضرة بشارع العشري بحي وسط، ونجت أسرتان من الموت عقب مغادرتهما العقار قبل انهياره بساعات.

والحادث السادس كان في 13 فبراير الحالي، عندما انهار عقار أمام مبنى البريد الرئيسي، في منطقة محطة مصر، وأسفر عن إصابة شخص واحد، وأخيرا خلال الأسبوع الحالي استطاعت قوات الحماية المدنية، انتشال مواطن اُحتجز داخل شقته إثر انهيار سلم عقار بمنطقة العطارين، وأصدر الحي قرارا بإخلائه، لأنه آيل للسقوط.

انهيار عقار بوسط الإسكندرية- تصوير مصطفي حسن
يتبادل المسؤولون والأهالي التهم وفي النهاية يخسر الأهالي- تصوير مصطفي حسن

من المسؤول؟

هذه الحوادث، التي وقعت تباعا خلال شهرين فقط، جعلت المسؤولين والسكان يتبادلون المسؤولية، مثلا، يرى إبراهيم سيد، شقيق أحد الضحايا، أن المشكلة هي عدم توفير سكن بديل، إلا في أماكن بعيدة لا تصلح للسكن الآدمى، وتقاعس مسؤولي الأحياء عن ترميم المنازل، وتخفيف عبء المصروفات عن الأهالي البسطاء، مما يدفعنا إلى اختيار البقاء في منازلنا.

يتابع سيد، أن هناك نزاع قانوني علي بعض العقارات الأخري، ما يمنع هدمها. ويتابع أن العقار  الذي انهار وراح شقيقه ضحيته، صدر له قرار إزالة بالفعل، وتم توفير مسكن بديل في شقة بطريق الكيلو 26 الصحراوي، متسائلا “كيف نسكن في شقة ضيقة ومنطقة نائية لا تتوفر فيها حتى الخدمات الأساسية، ولا يوجد بها مستشفيات أو مدارس”.

فيما علق محمد محسن، يسكن بالعقار رقم 26 بشارع المهيري التابع لوسط المحافظة، أنه أحد السكان المهددين بانهيار العقار في أي لحظة، لأنه آيل للسقوط، حسبما حذرهم تقرير الحي في قرار الإزالة رقم 712 لعام 2016، ولكن حتي الآن لم يقدم  الحي سكن بديل لقرابة 4 أسر تسكن بالعقار، وجميعهم من محدودي الدخل، لذا فإن البقاء في المنزل المهدد بالانهيار أمر إجباري وليس اختياري.

تقول مديحة عبد الرؤوف، أحد سكان مساكن القباري 10 بلوك 1، إنه منذ أسابيع أنهارت أجزاء علوية من العقار، مما يهدد قرابة 27 أسرة تسكنه بالخطر، وما تم طرحه من الحي كبديل عبارة عن وحدات سكنية بمناطق بعيدة، يتم تقسيط سعرها علي مدار عام، الأمر الذي لا يناسب أهالٍ جميعهم تحت خط الفقر.

وأوضحت عبد الرؤوف أن البلوك صدر له قرار ترميم من لجنة المنشآت الآيلة للسقوط برقم 140 لسنة 2015، إلا أن السكان لم ينفذوه، لعدم وجود بديل للسكن، وبالتالي بقت بأسرتها فيه علي مسؤوليتهم الشخصية.

فيما اتهم سعيد محروس، أحد سكان العقار المنهار بشارع عبد الكريم بمنطقة الورديان، بعض المقاولين أنهم سبب أزمة تردي حالة البنيان بالمنطقة، وذلك لأنهم يقومون بهدم بيوت رغم قوة بنيانها، طمعا في تشييد برج سكنى كبير، مما يدفعهم إلى اختلاق الحيل، والتواطئ مع مسؤولي الحي، لإسقاط المنزل دون مراعاة لقوة بناء البيوت المجاورة التي تتعرض جميعها للتهالك والسقوط المفاجئ.

المباني المخالفة في زيادة

وفي هذا السياق، يقول النائب محمد الكوراني، عضو لجنة الإسكان بالبرلمان، في تصريح لـ”إسكندراني”، إن ملف المباني المخالفة والمباني الآيلة للسقوط وجهان لعملة واحدة، وأن تلك الأزمة قنبلة موقوتة لا تهدد حياة سكان المنازل فقط ولكن أيضا المارة، لافتا إلي أن زيادة عدد المباني المخالفة يأتي نتاج تجاهل الأزمة لسنوات، وعدم تنفيذ قرارات الإزالة.

وأضاف الكوراني أن القوانين المتعلقة بملف المباني الآيلة للسقوط، ومنها قانون المباني الموحد الذي أقره البرلمان، أو قانون رقم 144 لسنة 2006، يمنح الحق للمحافظة أو للحي في تشكيل لجنة من الإدارة الهندسية ودراسة الحالة الفنية للمباني، وبعدها تنفيذ قرارات الهدم الكامل أو الجزئي، إلا أن الأبعاد الاجتماعية بتوفير السكن البديل تقف عائقا أمام التنفيذ

وأستكمل عضو مجلس النواب، أن هناك مئات القضايا التي رفعها السكان الذين يعشون في هذه العقارات لوقف قرارات الهدم، ومعظم قرارات الهدم ما زالت في ساحة القضاء وبالتالي لا يمكن إزالتها.

وأضاف أنه تقدم بطلب الأسبوع الماضي إلى رئيس الوزراء، لتشكيل لجنة لمعاينة جميع المساكن الشعبية، وإصدار تقرير فني بما تحتاجه من صيانة، وإدراج ما يصلح منها في خطة تطوير العشوائيات التى تقوم بها الدولة خلال الوقت الحالى، مع توفير منازل بديلة.

انهيار عقار بوسط الإسكندرية- تصوير مصطفي حسن
هناك 5700 عقار آيل للسقوط بالإسكندرية- تصوير مصطفي حسن

مخاطبات لمجلس الوزراء

النائب محمد فرج عامر، عضو مجلس النواب عن محافظة الإسكندرية، أصدر بيان سابق بشأن الأزمة، قال فيه إنه تقدم بطلب مناقشة عامة، موجه لرئيس مجلس الوزراء ووزيري الإسكان والتنمية المحلية بشأن استمرار أزمة انهيار العقارات بالإسكندرية دون أي خطوات للحل من الجهات المعنية.

وأضاف أنه اقترح تتشكيل لجنة هندسية من أساتذة كليات الهندسة بالجامعات، تكون مهمتها فحص جميع العقارات والمنازل بالمحافظة، وأن الحل يكمن في إخلاء جميع العقارات القديمة الآيلة للسقوط من جميع السكان القاطنين بها مع توفير مساكن بديلة لهم، إلا أنه لا يوجد أي تنفيذ لذلك رغم الأهمية القصوى.

وفي سياق متصل، قال النائب حسني حافظ، في تصريح لـ”إسكندراني”، إن أزمة العقارات الآيلة للسقوط بالمحافظة معظمها إما إيجارات قديمة يرفض سكانها الإخلاء، أو مبانٍ تراثية، أو بمناطق تكون مطمع للمقاولين الذين يتحايلون لتنفيذ طموحاتهم بالسيطرة عليها وتبديلها بمبان ضخمة لا تتحملها المباني المجاورة.

واقترح حافظ، أن تضع الحكومة خطة للانتهاء من هذه المشكلة، بوضع قوانين بناء رادعة لتنفيذ قرارات الإزالة، مع توفير سكن بديل أو تعويض سكانها عن تضررهم أو تنظيم لجان فض نزاعات الورثة التي تقف عائق أمام عملية الهدم، مشيرا إلي أنه تقدم بطلب إحاطة بداية هذا العام لرئيس مجلس النواب ورئيس الوزراء لوضع خطة عاجلة لحل المشكلة.

وقال العميد فادي وديع، رئيس حى وسط، إن جميع حوادث انهيار العقارات التي وقعت بالحي خلال الفترة الماضية كانت لمباني صادر بشأنها بالفعل قرارات إزالة، ومنها قرار هدم رقم هدم رقم 215 لسنة 2017، لعقار العطارين الذي راح ضحيته 6 أشخاص.

وأكد وديع أن الأزمة التي تواجه الحي مع سكان تلك العقارات هي رفضهم الخروج من منازلهم والبقاء فيها وتوقيعهم علي إقرارات تؤكد ذلك، لافتا أن قرار التنفيذ يأتي بالتعاون بين الحي وأقسام الشرطة، ويتم تحرير محاضر برفض السكان التنفيذ.

حلول صعبة

وأضاف رئيس حي وسط، أن عدد العقارات الآيلة للسقوط بالحي يبلغ 916 عقارا، وذلك ضمن قرابة 5700 عقار على مستوى المحافظة، مشيرا إلى أن تقييم حالة العقار تصدره لجنة المنشآت بعد صدور تقرير لجنة المعاينة وتحديد مدى خطورة العقار، وإصدار القرار سواء إزالة أو هدم جزئي أو كلى أو ترميم، إلا أنه بعد سقوط المنزل ينتهي دور الحي، وتتابع المحافظة مع الجهات المختصة كيفية التعامل مع المتضررين.

فيما قال اللواء هشام كمال؛ رئيس حي غرب، إن هذا الحي يستحوذ على أعلي نسبة من العقارات الآيلة للسقوط، وذلك طبقا لآخر إحصائية صادرة عن محافظة الإسكندرية، بإجمالي 2109 عقار، أكثرها عقارات قديمة متهالكة، مؤكدا أن غالبيتهم مسجل لهم قرارات، بعضهم يمثل خطورة داهمة ويتم تنفيذ الهدم بالقوة الجبرية، فيما لم يتم تنفيذ البعض الأخر الذي يعتبر محل نزاع قانوني أو يعترض السكان التنفيذ.

وأشار كمال إلي أن هناك منازل عديدة انهارت خلال السنوات الماضية كان السبب الرئيسي فيها أعمال حفر داخلية لم تتحملها أساسات المباني، ويتم اكتشافها بعد وقوع منازل مجاورة.

استراتيجية لمواجهة البناء المخالف

وتابع  أن الحي غير مسؤول عن توفير شقق بديلة للأهالي، لأنها مسؤولية جهات أخري، مطالبا بوضع ملف العقارات المخالفة والآيلة للسقوط على رأس اهتمامات الدولة لأنها أزمة كارثية.

وذكر اللواء محمد الشريف، محافظ الاسكندرية، في بيان صحفي بداية الأسبوع الماضي، أن المحافظة بصدد إعداد من دراسة متكاملة لوضع استراتيجية لمواجهة البناء المخالف، وذلك لأن الآليات الحالية لم تعد كافية أو تمثل رادعًا قويًا لمواجهتها.

وأضاف أن الدراسة تشمل كل الجهات المعنية لمواجهة مخالفات البناء من البرلمان والأحياء ووزارة الإسكان ومحافظة الإسكندرية وحتى المواطن نفسه الذي ينبغي تحذيره من عدم شراء وحدات سكنية مخالفة.

وأشار إلى أنه تم عرض الدراسة على المتخصصين فى الشؤون القانونية والإسكان والهندسة لوضع استراتيجية تتضمن تعديلات تشريعية وتغليظ العقوبة، بالإضافة إلى آليات جديدة لمواجهة العقارات المخالفة بالمحافظة.

انهيار عقار بوسط الإسكندرية- تصوير مصطفي حسن
انهيار عقار بوسط الإسكندرية- تصوير مصطفي حسن
الوسوم