نقص الحضّانات ووحدات العناية المركزة بالمستشفيات.. أزمات تواجه المرضى بالإسكندرية

نقص الحضّانات ووحدات العناية المركزة بالمستشفيات.. أزمات تواجه المرضى بالإسكندرية طوارئ مستشفى سموحة الجامعي - تصوير: دعاء جابر

ظروف صعبة يعيشها مرضى الحالات الحرجة بالإسكندرية أثناء بحث ذويهم عن أماكن شاغرة بين أروقة المستشفيات العامة، سواء في غرف العناية المركزة أو حضّانات الأطفال المبتسرين، خاصة عندما يأتيهم الرد من المسؤولين بأنه لا يوجد مكان، فيجد المريض وذويه أنفسهم مجبرين على وضعهم في قوائم الانتظار لأجل غير معلوم، أو أن يسلكوا طريق المستشفيات الخاصة التي ترفع شعار “الدفع أولا”.

ومن بين مئات القصص التي تشهدها أروقة المستشفيات، يرصد “إسكندراني” في هذا التقرير معاناة عددا من المرضى وذويهم.

وحدة عناية مركزة في مستشفى بالإسكندرية - تصوير: مصطفى حسن
وحدة عناية مركزة في مستشفى بالإسكندرية – تصوير: مصطفى حسن

نقص وحدات العناية المركزة

يقول حمدي فوزي عبد العظيم، موظف أمن بشركة مياه الشرب بالإسكندرية، إن والدته تعرضت صباح السبت الماضي لأزمة قلبية حادة، نُقلت على إثرها إلى مستشفى العامرية العام، وتم تشخيص حالتها بالإصابة بجلطة في الشريان التاجي، ويجب وضعها في عناية مركزة خاصة بالقلب.

ويضيف فوزي، أن الطبيب أخبره أن الأسرّة المخصصة لوحدة عناية القلب بالمستشفى محدودة، وبالتالي لن يستطيعوا حجز والدته إلا بعد انتظار خروج أي حالة، مما يمثل خطورة على حياتها، فقرر تحويلها إلى مستشفى القباري التابعة لوزارة الصحة، لكن حظه كان عاثرًا ولم يجد مكان أيضًا.

“نهاية الأمر أجبرت على التوجه إلى مستشفى تابع لجمعية خيرية يمتلك وحدة عناية مركزة للقلب، ولم تقبل دخول والدتي إلا بعد دفع مبلغ 1500 جنيه تحت الحساب، وكانت تكلفة اليوم للواحد بالعناية 3000 جنيه مقسمة بين تكلفة السرير والأدوات الطبية والأدوية المستخدمة”، أضافها فوزي، مشيرا إلى أنه موظف بسيط وتحمل هذا المبلغ يعتبر كارثة حقيقية جعلته يلجأ للدين من زملائه.

“أصيب ابني في حادث مروري، وتم نقله إلى مستشفى الأميري الجامعي، ورغم خطورة حالاته تم وضعه على سرير بقسم الطوارئ، وانتظرنا 8 ساعات للدخول لغرفة العمليات، وفوجئنا أن الطبيب يطالبنا بسرعة البحث عن عناية مركزة خارج المستشفى لإنقاذه، أو الانتظار حتى الحصول على دوره في قائمة الانتظار بالميري، ولكن على مسؤوليتنا الشخصية”، واقعة أخرى يرويها محمود جاد الله، 54 عاما، موظف بوزارة التربية والتعليم.

ويضيف جاد الله، “توجهنا إلى عدة مستشفيات، ولم نجد سريرا واحدا للحالة، فتم نقله لمستشفى خاص وكانت تكلفة اليوم الواحد 2500 جنيه للعناية، و2000 جنيه أخرى للأدوية اليومية، وبعد 3 أيام عثرنا علي مكان شاغر بمستشفى شرق المدينة التابعة لوزارة الصحة، ولكن بتكلفة بسيطة بلغت 500 جنيه يوميا”.

حضانة مبتسرين في مستشفى خاص بالإسكندرية - تصوير: دعاء جابر
حضانة مبتسرين في مستشفى خاص بالإسكندرية – تصوير: دعاء جابر

حضّانات الأطفال المبتسرين

ولا يختلف الوضع السابق ذكره عن وضع حضّانات الأطفال المبتسرين، حيث تروي زينب يحيى، 31 عاما، أنها تعرضت لحالة ولادة مبكرة في بداية الشهر الثامن من الحمل، وتعرض طفلها لمشاكل عديدة خاصة في التنفس لعدم اكتمال الجهاز الرئوي، وكانت حالته تتطلب سرعة دخوله لعناية المبتسرين.

وأضافت الأم، أنه تم وضع طفلها في حضّانة المستشفى الخاص التي ولدت فيها، بتكلفة بلغت 2500 جنيه يوميا لمدة 7 أيام، مشيرة إلى أن الطبيب المتابع حذرهم بأن خروج الطفل من الحضانة لفترة تتعدى الساعتين يمكن أن يتسبب في وفاته، وأن هذا الوضع سيستمر لفترة لا تقل عن شهر ولن تزيد عن شهر ونصف.

وأوضحت الأم أنهم بدأوا في البحث عن حضانة شاغرة في المستشفيات العامة ولكن دون جدوى، وذهبوا لمستشفى الشاطبي الجامعي ولكن لم يسمح لهم بدعوى أن الحضّانات فيها خاصة بحالات الولادة التابعة للمستشفى، فنقلوا الطفل لحضانة تابعة لمستشفى لواء الإسلام الخيرية بتكلفة بلغت 300 جنيه يوميا، وبعد 10 أيام وجدوا مكان في حضانة بمستشفى سموحة الجامعي.

مستشفى العامرية العام - تصوير: دعاء جابر
مستشفى العامرية العام – تصوير: دعاء جابر

نقص التمريض والأطباء

وفي سياق متصل، يوضح الدكتور ياسر محمود، طبيب مقيم بقسم الطوارئ بالمستشفى الأميري الجامعي، أن أزمة المستشفيات الحكومية ليست فقط في نقص الأسرّة وحضانات الأطفال، ولكن في عدم وجود طاقم تمريض كافٍ وكذلك الفنيين والأطباء لخدمة كافة الأقسام على الوجه الأكمل.

وأرجع ياسر سبب نقص التمريض والفنيين والأطباء، إلى أن بيئة العمل طاردة للكفاءات لضعف الرواتب وحالة الضغط المستمرة، فضلا عن طول ساعات العمل وعدم الالتزام بلوائح التوقيت.

مستشفيات تعمل بنصف طاقة

وأضاف ياسر، أن هناك مستشفيات كاملة تعمل بنصف طاقتها فقط، وغرف العناية بها شبه خاوية، نظرا لأنه لا يوجد تمريض مدرب على مستوى حرفي عالي لتشغيلها، مشيرا إلى أن مستشفيات الإسكندرية تخدم 3 محافظات أخرى وهم “البحيرة وكفر الشيخ ومطروح”، وهو ما يزيد كثافة الطلب عليها.

أما عن حضّانات الأطفال، فتوضح “سناء.م.ع”، ممرضة بقسم عناية الأطفال بمستشفى الشاطبي الجامعي، أن الوضع أكثر صعوبة، حيث تعتبر هذه المستشفى الأكبر سعة والتي تحتوي على 72 حضانة مبتسرين، يشرف عليهم 7 ممرضات فقط، مما يجعل الاهتمام بالأطفال من ذوي الحالات الحرجة أمرا صعبا.

وأضافت سناء، أن عدد الممرضات كان أكثر من ذلك، ولكن بعد افتتاح وحدة عناية الأطفال بمستشفى سموحة الجامعي تم ندب عدد منهن إليها، لعدم إمكانية المستشفى توفير ممرضات جدد على نفس مستوى الكفاءة، مؤكدة أن أي حديث عن زيادة وحدات عناية الأطفال لن يكون منطقيا إلا بزيادة طاقم التمريض والفنيين.

طلبات إحاطة

وفي السياق ذاته، تقدم عدد من أعضاء مجلس النواب بالإسكندرية بطلبات إحاطة لوزيرة الصحة والسكان، بشأن العمل على زيادة عدد غرف العناية المركزية بالمحافظة.

وقال النائب حسني حافظ، عضو لجنة الصحة بمجلس النواب، إنه تقدم بداية الأسبوع الماضي بطلب لمجلس النواب لمناقشة زيادة غرف العناية المركزة بمستشفى شرق المدينة التابعة لقطاع المراكز الطبية المتخصصة بوزارة الصحة، حيث يوجد بها 8 غرف عناية مركزة فقط، وهو الأمر الذي يسبب أزمات متلاحقة للمرضى وذويهم.

طلب حسني حافظ - الصورة من النائب
طلب حسني حافظ – الصورة من النائب

وأضاف حافظ في تصريح لـ”إسكندراني”، “يوميا تزداد طوابير المرضى في قوائم الانتظار، فلا يجد المريض طريقا يسلكه سوى اللجوء إلى غرف العناية في المستشفيات الخاصة، وذلك لأن الأعداد الحالية من الحضانات والعنايات لا تفي بالمطلوب ولا تلبي احتياجات المرضى من المترددين على هذه المستشفيات على الإطلاق”.

وزيرة الصحة تتعهد بالحل

وأوضح عضو مجلس النواب، أنه بناءً على طلبه، تم استدعاء الدكتورة هالة زايد، وزيرة الصحة، بمقر مجلس النواب صباح اليوم الإثنين الماضي، لمناقشة طلب الإحاطة وأوضاع المستشفيات بالأسكندرية، والتي تحتاج دعما لا يقل لا يقل عن مليار و200 مليون جنيه، مؤكدا أنها تعهدت بسرعة النظر في كيفية توفير هذا المبلغ.

وكشف حافظ أن مستشفيات جامعة الأسكندرية تعاني من عدم استخدام عدد كبير من حضّانات المبتسرين نتيجة لنقص طاقم التمريض العامل عليها، فعلى سبيل المثال يوجد قرابة 40 حضانة بمستشفى سموحة الجامعي متوقفة عن العمل لذات السبب.

طلب إحاطة النائبة إلهام المنشاوي - الصورة من النائبة
طلب إحاطة النائبة إلهام المنشاوي – الصورة من النائبة

كما قدمت النائبة إلهام المنشاوي، عضو مجلس النواب، طلب إحاطة آخر إلى رئيس مجلس النواب، بشأن زيادة التعاقدات في الحضانات والرعاية المركزة ونفقة الدولة لتوفير الخدمة للمرضى بشكل مناسب.

وأوضحت المنشاوي في تصريح لـ”إسكندراني”، أن جميع المستشفيات الحكومية بالمحافظة تعاني أيضا من عجز شديد في الأطباء وطواقم التمريض، وذلك بسبب تدنى الرواتب التي أدت إلى هجر الكفاءات للعمل في الدول الأخرى.

طلب إحاطة النائبة إلهام المنشاوي - الصورة من البرلمانية
طلب إحاطة النائبة إلهام المنشاوي – الصورة من البرلمانية

خطة عاجلة

ومن جانبه، قال الدكتور علاء عثمان، وكيل أول وزارة الصحة بالإسكندرية، أن الدكتورة هالة زايد، وزيرة الصحة والسكان، بدأت بالفعل في بحث احتياجات مستشفيات المحافظة ومتطلباتها لوضع خطة عاجلة لتلبيتها وتطوير أهم الأقسام بها، وتزويدها بالنقص في وحدات العناية المركزة.

وأضاف عثمان، أن وحدات العناية المركزة وحضانات المبتسرين زادت بالفعل خلال الثلاث سنوات الأخيرة ولكنها تظل غير كافية، موضحا أنه في عام 2015 كان عدد أسّرة العنايات المركزة في مستشفيات وزارة الصحة بالإسكندرية 82 سريرا فقط، وتمت زيادتها إلى 174 سريرا، فيما كان عدد حضانات الأطفال المبتسرين 150 حضانة، وأصبحت في عام 2018 حوالى 220.

كما أشار إلى أن التخصصات في وحدات العناية المركزة تتنوع بين المستشفيات، ولكن النقص الفعلي في بعض وحدات عناية القلب والحروق، لافتا إلى أن الوحدات الخاصة بالقلب تتواجد في عدد من المستشفيات مثل العامرية العام وشرق المدينة، وعناية الحروق في مستشفيات القباري العام ورأس التين وأبو قير العام.

خط ساخن لتلقي الاستغاثات

وأفاد عثمان، أن مستشفيات وزارة الصحة تحاول بكامل طاقتها، الاستجابة لحالات الاستغاثة التي تتلقاها على الخط الساخن 137، والذي دشنته للتيسير على المواطنين، حيث يتيح سرعة إغاثة المرضى والحالات المرضية الطارئة بدءًا من إيجاد سرير رعاية أو حضّانة لطفل مبتسر، وصولًا إلى أبسط أنواع الرعاية الصحية، لافتا إلى أنه مخصص لتلقي مكالمات المواطنين على مدار الـ24 ساعة.

مرضى في مستشفى المبرة بالإسكندرية - تصوير: دعاء جابر
مرضى في مستشفى المبرة بالإسكندرية – تصوير: دعاء جابر

فيما أوضح الدكتور أحمد عثمان، رئيس مجلس إدارة المستشفيات الجامعية، إن هناك 100 سرير عناية مركزة مجاني توفرها جميع المستشفيات الجامعية بالمجان لغير القادرين، وذلك من بين إجمالي عدد أسرّة 260 على مستوى 13 مستشفى، فيما يبلغ إجمالي أسرّة عناية الأطفال المبتسرين 116 سريرا، تخدم 4 محافظات وهم الإسكندرية ومطروح والبحيرة وكفر الشيخ.

وأضاف عثمان، أن هناك جهود تبذل لمحاولة استغلال الطاقات بين وحدات العناية بكافة المستشفيات لتلبية احتياجات المرضى، مشيرا إلى افتتاح وحدة المبتسرين في سموحة الجامعي خلال الشهور الماضية، والتي تضم 38 حضانة لاستقبال الأطفال حديثي الولادة، وذلك تمهيدا لافتتاح عدد آخر من الحضانات خلال الفترة المقبلة.

الوسوم