معاناة مرضى الذئبة الحمراء.. الشمس والإضاءة ألدّ أعدائهم وإهمال المجتمع يقتلهم

معاناة مرضى الذئبة الحمراء.. الشمس والإضاءة ألدّ أعدائهم وإهمال المجتمع يقتلهم مديرية الشؤون الصحية بالإسكندرية - تصوير: نيفين سراج

هو مرض صامت يتوغل في الجسد، يدمر خلاياه المناعية وينتقي من أعضائه ما يحطمه، بل ويجبر صاحبه على الانزواء في غرفة قاتمة، فالشمس أكبر أعدائهم، وكذلك الإضاءة، وأجهزة البلوتوث وغيرها، فكيف يتعايش مرضى الذئبة الحمراء وما هو علاجهم وكيف يتعامل معهم المحيطون بهم وما موقف المسؤولين تجاههم؟

الذئبة الحمراء

وئام رفعت، محاسب بالبنك الزراعي، يعاني من مرض الذئبة الحمراء منذ 20 عاما، يضع على وجهه قناع كثيف من واقي الشمس، بشكل يجعل من يرونه يسخرون منه، ويرتدي الأكمام والقبعات صيف شتاء، يطرق أبواب جيرانه مترجيًا أن يطفئوا أجهزة البلوتوث، ويطلب من زملائه في العمل التخلي عن السماعة البلوتوث، في محاولة منه لحماية نفسه من تنشيط أعراض المرض، ولكنهم يسخرون منه.

وعلى الرغم من تحديد يوم 10 مايو من كل عام، يومًا عالميًا للتوعية بمرض الذئبة الحمراء، إلا أنه وفقًا لـ”رفعت” فإن المرضى يعانون من تلك النظرة التي يرونها في أعين المحيطين بهم، “فالشمس، البلوتوث، أجهزة الكشف عن المعادن، المصابيح النيون”، وغيرها الكثير تنشط الذئبة لديه، فيشعر بحرارة شديدة أسفل جسده، ووهن شديد، ويكون في تلك الحالة عرضة لمهاجمة أعضاء جديدة بجسده، مضيفًا أنه طلب مرارًا من مدرائه نقله إلى فرع قريب من منزله كي لا يعاني مرارة الانتقال تحت أشعة الشمس، ولكن دون جدوى.

تشخيص خاطئ

وفقًا لـ”رفعت”، فإنه عانى من أعراض المرض قبل 20 عامًا، ولكن الأطباء عجزوا عن تفسيره وتم تشخيصه خطأ عدة مرات، حصل بمقتضاها على مضادات حيوية ومسكنات خاطئة، وذلك لصعوبة معرفة الطبيب المختص وتأخر التعرف على المرض، وعرفه على أنه غالبًا ما يكون وراثيًا، ويصيب النساء بنسبة 90% والرجال بنسبة 10%، وهو التهاب غير معروف أسبابه أو علاجه، ويهاجم أي عضو بالجسم.

وأدى هذا التشخيص لإصابته بقصور في عضلة القلب بنسبة 38%، والكلى أيضًا، وكذلك زيادة لزوجة الدم والتي تؤدي بطبيعة الحال إلى الإصابة بجلطات، بالإضافة إلى حمى البحر المتوسط، وفيبروماليجيا “التهاب في الأعصاب الطرفية”، وتساقط الشعر، كما أنه يهاجم الكبد لدى آخرين وغيره من أعضاء الجسم.

المستشفيات لا تراعي المرضى

المستشفيات المعالجة من مرض الذئبة الحمراء، وعياداتها الخارجية، وكذلك غرف العناية المركزة، جميعها تستخدم اللمبات النيون، وهو ما يعتبره وئام رفعت جهلاً من الأطباء بحال المرضى، مشيرًا إلى أنه احتجز عدة مرات بها، وفي كل مرة يطلب إطفاء المصابيح التي تعلوه، إلا أن بعض الأطباء كان يستجيب وبعضهم الآخر دون ذلك، اعتقادًا منه أن المريض “بيتدلع” على حد وصفه.

وأوضح رفعت أن البلوتوث يمكنه أن ينشط الذئبة ولو على بعد 10 أمتار منه، أما المصابيح النيون فهو لا يحتمل وجودها معه في نفس المكان، مشيرًا إلى أن الأطباء المعالجين لم يقتنعوا بأمر المصابيح وتأثيرها على المرض، وكذلك أجهزة الكشف عن المعادن.

ويشكو مرضى الذئبة الحمراء، ومن بينهم رفعت من عدم وعي الناس بالمرض ومعاناة المرضى، محملاً المسؤولية لوسائل الإعلام كونها تتجاهل هؤلاء المرضى، حتى قرروا الاعتماد على أنفسهم وإنشاء عدة صفحات على “فيس بوك” لكي يشددوا من أزر بعضهم بعضا، ووجد أن هناك تأثير لتلك الأجهزة على مصابين آخرين، وبالتالي فهم يتعرفون تدريجيًا على مسببات تنشيطه مصادفة، وليس من الأطباء.

بدأت أعراض المرض لدى رفعت باحمرار في العين وحكة بالجلد، والشعور بآلام شديدة في كل عضلاته، نظرًا لأنها تصيب النسيج الضام، بالإضافة إلى التهابات في المعدة أو القولون أو أي جزء آخر من الجسد، مشيرًا إلى أن المريض لا تظهر عليه أية أعراض جسدية، وبالتالي لا يلقون تعاطفًا من أحد.

مشكلات في العمل

مشكلات عدة تعرض لها محاسب البنك الزراعي، نتيجة عدم الاستجابة لمطلبه بنقله إلى فرع عمل قريب من منزله، فهو يستغرق 3 ساعات ذهابًا وإيابًا من وإلى مقر عمله، وذلك لعدم اعتراف مديريه بأنه مريض، ولأن قرار وزير الصحة رقم 259 والذي يعطي لمريض الذئبة الحق في الحصول على إجازات بأجر كامل، مذكور باسم “القناع الأحمر المنتشر” فإن التأمين الصحي وجهات العمل تظن أن المرضين مختلفين.

علاج باهظ الثمن

أخيرًا وجد مرضى الذئبة الحمراء علاج بيولوجي، يؤخذ سنويًا لتهدئة أعراض المرض من الالتهابات، كما ستغني عن الكورتيزون وبالتالي هشاشة العظام، ولكن تكلفتها وفقًا لـ”رفعت” تبلغ 20 ألف جنيه، ومن المستحيل أن تقبل جهة عمله صرفها له، لذلك فهو لن يقوى على شرائها بجانب العقاقير الأخرى التي يستخدمها على نفقته الخاصة.

موت وخراب بيوت

كان مصطفى الأسيوطي طالبًا بالفرقة الأولى من كلية الحقوق، عندما داهمه المرض، وعلى الرغم من أنه تمكن من التخرج بتقدير عام جيد، وحصل على ماجيستير في القانون، إلا أنه توجه إلى الامتحان في سنته الأولى على كرسي متحرك، واعتذر عن الفصل الدراسي الثاني لشدة آلامه، وعندما خاض مجال العمل لم يعمل كمحامي وإنما عمل كتمرجي في إحدى العيادات الطبية الخاصة، وحاليًا هو عاطل عن العمل، ولا يستطيع الإنفاق على زوجته وولديه.

يقول مصطفى إنه يتألم كلما تعرض لمسببات زيادة نشاط المرض كسابقه، ويشكو من عدم الاهتمام بالمرضى، أو المرض ذاته في مصر، وأن تكلفة علاج الذئبة والكلى التي تأثرت بها، لا تقل عن 3 آلاف جنيه شهريًا كحد أدنى، ويعتمد في توفيره على مساعدات الآخرين والجمعيات الخيرية، ويصفه بأنه أشد الأمراض فتكًا بالإنسان عقب السرطان، حيث يتلقى كلاهما العلاج الكيماوي.

ولأن أكثر المصابين به من النساء، يؤكد الأسيوطي أن غالبيتهن يتعرضن للطلاق بسبب ضعفهن وعدم قدرتهن على خدمة أزواجهن، وهو ما حدث مع شقيقته التي أصيبت بالمرض وانفصل عنها زوجها، ثم توفيت منذ 4 سنوات بسبب الحالة النفسية السيئة التي عانتها جراء المرض والطلاق، والتي أدت لإصابتها بجلطة، ولأن العلاج مكلف لم تستطع أسرتها توفيره لها.

هاجمت الذئبة الحمراء قلب مصطفى الأسيوطي، وأصابته بارتجاع في صمامات القلب، فضلاً عن هشاشة بالعظام، والتهاب مناعي في الكلى.

مرض لا يعرف عدو من حبيب

وصفت أماني المصري، مصابة بالذئبة الحمراء، مرضها بأنه يجعل من جهاز المناعة لدى المصابين به لا يعرف عدوه من حبيبه، فهو يحارب الجسد بدلاً من الدفاع عنه ضد الأجسام والميكروبات الدخيلة، ويعتبر أنسجته أعدائه.

وأضافت المصري، “مشكلتي أني لا أحب أحدًا يقول لي أنتِ مريضة، عايزاهم يعاملوني كأني إنسانة عادية جدًا، معنديش أي مرض، دائمًا بابا كان يقول لأخوتي أن أختكم عيانة مالكمش دعوة بها، ماتتعبوهاش، ونفذوا لها اللي هي عايزاه”.

ونتيجة للإعياء الشديد وتأثير المرض على أحبالها الصوتية، قالت أماني إنها تتعرض للسخرية من زملائها بسبب صوتها، من قبيل”أنتِ صوتك مش بيتحسن ليه؟ بتشربي سجاير؟”

أم تسنيم تعرضت للتوبيخ من مديرتها عدة مرات بسبب عدم إنتاجيتها، ورفضت منحها إجازة مرضية حتى بعد اطلاعها على أصابع يديها المشوهة نتيجة للمرض، وهو الموقف الذي أبكاها بحرقة، أما في النطاق الأسري، فهي تنهار نفسيًا، على حد قولها، لعدم قدرتها على خدمة أطفالها الثلاثة والتي لم يتجاوز أكبرهم 6 سنوات، فتدخل في حالة من الاكتئاب والعزلة، أما اللجنة الطبية فهي لا تمنحها إجازة مرضية طالما أنها تسير على قدميها.

حلمت أم تسنيم بمشفى خاص لمرضى الذئبة الحمراء، وتوفير العلاج المستورد بأسعار متاحة، وأن يكون الكشف أيضًا على قدر استطاعتهم، لتخفيف الأعباء الواقعة على عاتقهم من أمراض وأدوية وآثار جانبية وبيت وأطفال وعمل، فضلاً عن التعامل مع من أسمتهم “أشباه بني آدميين” بذل وقهر وضغط عصبي ونفسي ومادي.

خلل في الجينات

من جانبه قال الدكتور أحمد النحاس، أخصائي روماتيزم المفاصل وأمراض المناعة، إن الذئبة الحمراء هي أحد الأمراض المناعية التي تنتج عن وجود خلل جيني لدى المريض، يجعل لديه استعدادًا لاستقبال المرض، مشيرًا إلى أنه غالبًا ما يولد المريض بهذا الخلل ولكن ينشط لديه عند تعرضه لخلل بيئي ما، فيظهر الخلل الجيني وينشط المرض ويكوّن أجساما مضادة، يبدأ بعدها ظهور المرض عليه، وذلك بغض النظر عن المرض المناعي، سواء كان ذئبة حمراء أو روماتويد.

وأشار النحاس إلى أن الذئبة الحمراء هي إحدى الأمراض التي يطلق عليها اسم Systemic، وهي التي لا تهاجم عضو بعينه في الجسد، وكي يمكن للطبيب تشخيصه، يجب أن يكون لدى المريض بحد أدنى 4 من بين 11 صفة للذئبة، نظرًا لاختلاف صفاته من شخص لآخر، وأهمها ظهور المرض في التحاليل، بالإضافة إلى الأعراض التي تختلف من شخص لآخر.

أعراض الذئبة الحمراء

وأوضح النحاس أن صفات الذئبة الحمراء تختلف بين مريض وآخر، بعضها يظهر على الجلد، كالفراشة الحمراء، أو في شكل قرح بالفم أو حساسية من الشمس، أو تساقط حاد في الشعر تسبب ما يشبه الثعلبة، وتترك علامة تمنع الشعر من الظهور بها، ومن الممكن أن تؤثر أيضًا على المفاصل بأن تسبب التهابات وتورمات أو في الدم، وتسبب نقص في خلايا الدم سواء الحمراء، البيضاء أو الصفائح الدموية.

وأضاف اخصائي الروماتيزم أن المريض قد يصاب أيضًا بأوهام واضطرابات نفسية، وتشنجات في بعض الأحيان، وقد تتأثر الأغشية الداخلية، سواء الموجودة في الرئة أو القلب أو البطن، ويحدث فيها التهاب أو تجمع مائي، وقد تسبب التهاب في الأوعية الدموية، أو تؤثر على الكبد، وتؤدي لالتهاب كبدي مناعي وغيرها.

كيف تقي نفسك من نشاطها

ومن العوامل التي تنشط الذئبة الحمراء وفقًا لـ”النحاس” وينصح المرضى أو من لديهم تاريخ جيني في العائلة، ومن المحتمل أن يكون لديهم استعداد لها، بتجنب التعرض لأشعة الشمس المباشرة، فضلاً عن بعض الأدوية التي تتضمن مادة السالفا، وهرمون الاستروجين كأدوية منع الحمل.

ولكي يتم تشخيص الذئبة لدى المريض، قال النحاس إنه يجب أن يكون لدى المريض 4 صفات مما سبق، نافيًا وجود علاج للذئبة الحمراء أو غيره من الأمراض المناعية، لأنها تنتج عن وجود خلل جيني يولد مع المصاب، وهو غير معروف سببه وذلك الخلل يجعل المريض لديه استعدادا للإصابة بمرض مناعي، وخاصة الذئبة الحمراء.

وقد يظهر في أي مرحلة عمرية سواء الطفولة أو الشباب أو الكهولة، ولكن ما يجعله ينشط هو تعرض المريض لأحد العوامل، موضحًا أنها تنشط نتيجة تناول أحد أنواع الأدوية المذكورة، أو بضغط نفسي، حمل، عدوى، أشعة الشمس أو غيرها، أما العلاج المتوافر حاليًا فهو يعمل فقط على التحكم في المرض والسيطرة عليه والحفاظ على خموله، وبدونه تنشط أعراضه.

الوسوم