“المنشة والشوم والنبوت” أدوات مازالت تُصنع في العطارين.. والملك فاروق أشهر الزبائن

“المنشة والشوم والنبوت” أدوات مازالت تُصنع في العطارين.. والملك فاروق أشهر الزبائن أحمد عثمان صاحب محل صناعة العصي والنبابيت والشوم بالإسكندرية، تصوير: شيماء عثمان

العصا الخشبية، المنشة، النبوت، والشومة، كانت جميعها أشياء لا غنى عنها في زمن مضى، فبغض الطرف عن استخداماتها، إلا أنها ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالأناقة، واستخدمت أيضًا كوسيلة للدفاع عن النفس وفي التحطيب.

يقع محل أحمد عثمان لتصليح الشماسي والعصي الخشبية وصناعتها، بحي العطارين، أحد أقدم أحياء الإسكندرية، وهو أيضًا واحد من أقدم محال صناعة العصي أيضًا، حيث بدأ والده الحاج عثمان محمد حسن نشاطه وافتتح أول سجل تجاري له في 26 فبراير 1927، مرت السنوات وترك الوالد هذا الإرث بوفاته في 1955، وورث نجله الأكبر المحل والحرفة ومعهما ذلك التاريخ الطويل في الصناعة.

أشهر الزبائن

يقول أحمد عثمان إنه ورث حرفة والده بمجرد بلوغه سن الرشد في عام 1958 وحتى اليوم، وكان الملك فاروق أهم زبائن والده، بينما تولى هو صناعة شماسي الشتاء لهيئة تحكيم القطن، وكان الوحيد في تلك المهنة حينها، كان ضمن الدفعة الأخيرة التي حصلت على الابتدائية القديمة عام 1958، وعضوًا بلجنة الحرفيين في الاتحاد الاشتراكي خلال فترة السبعينيات، وعضو بجمعية القش والخرزان، وعضو حالي بالغرفة التجارية، مضيفًا أن الوقت يتغير والوضع لم يعد كما كان، إلا أنه يظل حتى الآن من المحال القليلة في مصر التي تصلح شماسي الشتاء والمصايف، وكذلك العصي بأنواعها- على حد قوله.

العصي والنبابيت من محل أحمد عثمان بالعطارين، تصوير- شيماء عثمان
العصي والنبابيت من محل أحمد عثمان بالعطارين، تصوير- شيماء عثمان

العصا شياكة ووجاهة

تحولت العصا الخشبية من مكمل للوجاهة إلى ساق ثالثة يتكئ عليها كبار السن والمرضى، بحسب عثمان، حتى انقرضت المهنة، مشيرًا إلى أنها تُصنع من أي فرع خشبي من أنواع الأشجار المختلفة، وهناك ما يصنع من أشجار الزان، أو من الأخشاب النادرة، كالأبانوس السادة والمطعم بالمعدن، والذي يخيل لمن يراه أنه نُقش بالفضة، ولكنه مطعم بهذا الشكل طبيعيًا.

ويوضح صانع العصي أن صناعة العصا تبدأ بتحضير الخرزان وتشكيله باستخدام النار، ثم تضاف إليه اليد، والتي تُصنع من الخشب أيضًا أو من “البكليت” وهو أحد أنواع البلاستيك الصب المصمت “غير مجوف” بأنواعه ولونيه الأبيض والأسود، أو من العظام وهي قرون الجاموس وتشكل لتأخذ شكل حرف” T” أو القوس، ويتم ربط الجزئين بواسطة مسمار داخلي ويتوسطهما” الجلبة” وهي قطعة معدنية تجميلية على شكل حلقة، وفي نهاية العصا يتم تركيب قطعة كاوتش لتثبيتها على الأرض وعدم انزلاقها على بعض الأرضيات كالسيراميك، مشيرًا إلى أنها تصنع بطول 90 سم، أو متر، أو متر و5 سم، ويتم تقصيرها لتتناسب مع طول الزبون وراحة يده، ويبدأ سمكها من بوصة إلى 3 بوصات.

يضيف عثمان أن العصي تتعرض للكسر، وبالتالي فهي تحتاج إلى إصلاحها، وخاصة الباهظ الثمن منها، كتلك المصنوعة من أخشاب الأبانوس أو بعض الأخشاب النادرة، فيتمكن هو من معالجتها وإعادتها للوضع الذي كانت عليه.

هاند ميد

يقول عثمان أن صناعة العصي والشماسي بدأت ومازالت تصنع بالأيدي ولم تعرفها الآلات والماكينات حتى الآن، ولكنها لم تعد كما سبق فقد أصبحت من الحرف النادرة نظرًا لعزوف الشباب عنها، لكونها غير مربحة، ولأنها من المهن الشاقة، وهو نفس السبب الذي لم يعد كبار السن يطيقونه نظرًا لضعف مقدرتهم على ممارسة العمل اليدوي.

أشكال مختلفة من العصا والنبوت، تصوير: شيماء عثمان
أشكال مختلفة من العصا والنبوت، تصوير: شيماء عثمان

الأسعار

تبدأ أسعار العصي من 40 وحتى 700 جنيه، وفقًا لـ عثمان، والذي يقول إن المصنوع منها من الأخشاب العادية تتراوح أسعارها ما بين 40 و50 و60 و100 و120 جنيهًا، أما المصنوعة من الأبانوس السادة فيصل سعرها إلى 400 جنيه، والمطعم منه بـ700 جنيه، ويتوسطهما العصا المصنوعة من أحد أنواع الأشجار النادرة وتمتاز بلونها البني والذي يشبه الحديد، ولذا يطلق عليها “الحديد”، ويتراوح سعرها ما بين 200 و250 جنيهًا، وتصنع يدها من العظم.

أما عن أسعار الشماسي، يفيد عثمان أن الشتوية منها كانت تباع قديمًا بـ15 و20 جنيهًا، أما الآن فيصل سعرها إلى 50 و60 و70 جنيهًا، وهناك الشماسي الصيني التي ظهرت مؤخرًا، فارتفع سعرها من 15 قبل عامين إلى 40 جنيهًا اليوم، مشيرًا إلى أنه يصلح مختلف الأنواع منها، وبحدد السعر وفقًا للجزء التالف.

شماسي من محل أحمد عثمان بالإسكندرية، تصوير: شيماء عثمان
شماسي من محل أحمد عثمان بالإسكندرية، تصوير: شيماء عثمان

نبوت شرم

ويعرف عثمان النبوت بأنه عصا مصنوعة من نوع خشب يسمى بـ”شرم”، ويطلق عليه في مصر اسم “شومة افرنجي”، ويشترط في هذا النوع من العصي أن يكون الخشب المستخدم فيه سليمًا، ولا يستخدم فيه المعجون، لأنه يستخدم في الدفاع عن النفس وللأمن الشخصي، مشيرًا إلى أن أكثر مستخدمي هذا النوع هم من يعيشون في المناطق النائية والصحراوية، وتوضع خلف الباب للطوارئ، مضيفًا أن طولها يتراوح ما بين 120 و150 سم.

ويتابع أن هناك نوع آخر من الشوم المستورد، ويصنع من أي نوع من الشجر، وتوضع له يد مرزبة، وهذا النوع يستخدمه أهل الصعيد في التحطيب، ولذلك لابد وأن تتسم العصا بالمتانة لتجنيب مستخدميها الموت أو الإصابة البالغة في حال إن كانت ضعيفة وتم كسرها أثناء ذلك، وتتراوح أسعاره ما بين 40 و80 جنيهًا.

التقصيرة والكرباج

أما التقصيرة فيشرح عثمان أنها عصا سميكة، بطول 60 سم، ومكسوة بالجلد، وهذا النوع يضعه المسافرين غالبًا أسفل دواسة السيارة للدفاع عن أنفسهم، أما الكرباج فهو عبارة عن جلد مضفر، وله استخدامات عدة، فهو يستخدم كمهماز للخيل، أو للضرب، وفي أحيان أخرى كان يمسك في اليد قديمًا للتزين، وحاليًا يكثر في تركيا، وتتراوح أسعاره ما بين 40 و60 جنيهًا.

الخرزان

يوضح صاحب المحل الأقدم لبيع العصي أن الإقبال على الخرزان يكون من المدرسين لترهيب الطلاب، وكذلك النوبيين الذين يلونونه ويضيفون إليه الورود ويستخدم في الاستعراضات في الأفراح، وهو نوع من الخشب الرفيع جدًا، ويتم ثني الجزء العلوي منه على شكل قوس، ويتراوح سعره بحسب طوله ما بين 5 و8 جنيهات.

النبوت- تصوير: شيماء عثمان
النبوت والعصا من محل أحمد عثمان بالإسكندرية، تصوير: شيماء عثمان

المنشة للبشوات والأعيان

يضيف عثمان أن المنشة كانت تصنع قديمًا من شعر الخيل لطرد الذباب، ولكنها اندثرت حاليًا ولم يعد لها وجود، وكانت رفيقة العصا في إتمام وجاهة حاملها، من الباشوات والأعيان، ويحوز أحدهم ما بين 2 و3 عصي، بجانب الطربوش، مشيرًا إلى أنها كانت عبارة عن يد تُصنع من الخشب، العظم أو العاج، وشعر الحصان.

ويوضح عثمان أن العصا في حد ذاتها لا ترمز للأناقة، وإنما يجب أن تكون بمواصفات معينة، ويشير إلى أن الرفيع منها فقط هو ما يتم التباهي به، على عكس السميكة التي تكون أضعف من سابقتها وأقرب منها إلى النبوت، وفي كل الأحوال فإن ما يحدد جودة العصا هو نوع الخشب المستخدم فيها.

مشكلات المهنة

وعن الحرفة والعاملين فيها، يقول عثمان إنهم يعانون عدة مشكلات، أهمها ارتفاع أسعار الخامات، ممثلاً ذلك بخشب الزان الذي كان يتواجد قديمًا بكثرة وليس له ثمن- على حد تعبيره- أما الآن فيبلغ سعر المتر 11 ألف جنيه، وكان منذ سنوات بـ8 آلاف جنيه، بخلاف سعر المنشار والخراط، والجمالاكا التي بلغ سعر الكيلو منها 120 جنيهًا، خاصة مع قلة الطلب وعدم توافر الأيدي العاملة الراغبة في العمل أو التدريب، مضيفًا: “اللي بيموت منا محدش بيتعلم بعده، وأنا الوحيد اللي شغال في المهنة والشباب معندوش صبر”.

الوسوم