“المليجي” درويش الخط العربي: علّقت لوحتي في غرفة الرسول

“المليجي” درويش الخط العربي: علّقت لوحتي في غرفة الرسول الفنان السكندري جمال المليجي.. تصوير: دينا إسماعيل

كلما كبُر عامًا، زاد شغفه لرسم الخط أعوامًا، ومع أنه نال تقديرات وجوائز عدة، إلا أنه لم يجد أكبر تقديرًا من لوحة رسمتها أنامله تُعلق في بيت الرسول.

جمال المليجي، فنان الخط السكندري، يقف متكأ على مساحات رحبة من فنون الخط التي يتنقل بينها بحرفية ومهارة كعازف موسيقى، يقول: “عمري 81 عامًا، وما زال لدي الكثير لأقدمه للخط، ما زال بإمكاني إنتاج أكثر، عندي صحة للعمل.. إنها عطايا الله”.

الفنان السكندري جمال المليجي.. تصوير: دينا إسماعيل
المليجي شيخ الخطاطين.. تصوير: دينا إسماعيل

في ورشته بمنطقة محرم بك، يعلق لوحات وصور تذكارية أرشيفية للمعارض التي أقامها بحضور فناني جيله، ويقلب ألبومات الصور التي ألتقطت له أثناء افتتاح معارضه في الإسكندرية، وسوريا، وأسطنبول، والإمارات، وتونس، وغيرها من الدول، يجاور تلك ألبوم سجل تدوين عدد اللوحات التي رسمها، وعند سؤاله عن عددهم “لا.. بطلت أعد”.

الفنان السكندري جمال المليجي.. تصوير: دينا إسماعيل
الفنان السكندري جمال المليجي.. تصوير: دينا إسماعيل

عندما كان المليجي، صبيا لا يتجاوز عمره 7 أو 8 سنوات، أصابت قلبه جذبة حب وولع بالخط العربي، وكلما مر على آية في القرآن يمرر إصبعه في الهواء كأنه يرسم مثلها، ويبدو أن عبقرية الخط القرآني منحته مددها ومدادها.

ومنذ ذلك الحين، أكثر من 73 عاما قضاها في شغف بالخط، فما بلغ غايته مع الخط، ولا فتر شغفه، ليستمر في صنع لوحات الخطوط المزخرفة، التي تزين المساجد، أو بيعها لمن يقدرون فنه.

البدايات

الفنان السكندري جمال المليجي.. تصوير: دينا إسماعيل
يسترجع ذكرياته.. تصوير: دينا إسماعيل

بدايات المليجي الحقيقية، كانت عندما لاحظ معلموه اهتمامه بأنواع الخطوط، وشجعوه بتعليق تلك اللوحات داخل المدارس، منذ ذلك الحين أصبح الفن له “عبادة”.

أول جائزة حصل عليها ودعمت شغفه- حسبما يذكر- كانت في المرحلة الإعدادية، عندما تكررت النداءات السياسية بالتبرع لشراء السلاح في الجيش، فرسم لوحة “أرض مصر وخلفية الأهرمات والشجر” وحصل بعدها على جائزة أولى في المدرسة.

كانت تلك الواقعة لها الأثر الملموس في الانطلاقة الأولى لجمال، حتى أن والده اشترى له كتبا عن أنواع الخطوط، يقول: “كان ذلك في عمر 18، ومع أن والدي كان لا يقرأ ولا يكتب، إلا أنه كان أحد الذي منحوني الدعم الكامل لأستمر في هوايتي”.

الفنان السكندري جمال المليجي.. تصوير: دينا إسماعيل
الفنان السكندري جمال المليجي.. تصوير: دينا إسماعيل

وفي بداية الستينيات، تخرج في كلية التجارة، ليعمل كمحاسب بداية عام 1963 في الشركة العربية المتحدة للشحن والتفريغ، وهناك رسم لوحات كاملة قدمها هدايا للقطاع البحري في ميناء الإسكندرية.

المعرض الأول

هذا الفن وجد مكانته الحقيقة في قلبه، بدءًا من تزيين مساجد الإسكندرية بآيات القرآن الكريم، إلى إقامة المعارض الفنية، ويذكر أنه بدأ التصميم على خشب الباركيه، ثم قش القمح الذي كان يصبغه بالفسفور، ثم مرحلة العاج والنحاس والألومنيوم، “لم أتعلم الزخرفة من أحد”.

ترك المليجي تصميماته في مساجد الجمرك، ومحرم بك، وأبو قير، وأم زغيو “كلما وجدت مسجدا تحت الإنشاء، وضعت لوحاتي فيه”.

الفنان السكندري جمال المليجي.. تصوير: دينا إسماعيل
لوحات أول معارض المليجي بالإسكندرية.. تصوير: دينا إسماعيل

أقام المليجي أول معارضه عام 1966 في قاعة الفنون الجميلة بقصر ثقافة الحرية، والمعرض الثاني في مسجد المرسي أبو العباس، بحضور الفنان التشكيلي الشهير سيف وانلي، وعدد من فناني تلك المرحلة، حتى أن معروضاته جعلت عميد كلية الفنون الجميلة الدكتور أحمد عثمان يرشحه لترميم الأصبع الأيمن لتمثال رمسيس الثاني في القاهرة، رغم أنه ليس من قسم النحت، يروي “وجدني مرهف الحس، عقب شهرين تمكنت من الترميم”.

المليجي: أنا درويش الخط العربي

يتقن المليجي كل أنواع الخطوط، ولا ينسى حصوله على جائزة من الإمارات بقيمة 4 آلاف دينار على لوحة بخط الصف، ومع ذلك ما زال يفضل الخط الكوفي، ويراه أجمل الخطوط “الكوفي يرتبط بكافة العصور العربية، لكن رسمه اختلف في العصر العثماني عن العصرين الطولوني والأيوبي”.

يمزج المليجي بين أكثر من خط في اللوحة الواحدة، مثلما يفعل مع خط النسخ المتداخل، يقول “أنا بعيش الآية القرآنية، واختار ما يناسبها من زخرفة، فالآيات التي تتحدث عن الجنة والترغيب باستخدم التزهير في الحروف، أما الآيات التي تتحدث عن النار والوعيد تكون الزخرفة مقفول”.

يحكي جمال، أزهى سنوات العمر قضيتها درويشا للخط العربي، وما زلت، وكنت أنفق على شراء الخامات، وأنتظر بيع اللوحة لتحقيق مكسبي، وقد أوصله الفن أن يكون أستاذ منتدب لتدريس الخط الكوفي في كلية الفنون الجميلة لمدة عامين.

لوحة الرسول

تكريمات وجوائز وتقديرات عدة لا ينساها المليجي، لكنه يعود ويتذكر لوحته التي عُلقت في غرفة السيدة عائشة بقبر الرسول في المدينة، راويا أن الواقعة كانت في عام 2000، عندما سافر مع ابنه وأصدقائه في رحلة عمرة، وكان قد صمم لوحة بخط ديواني متداخل للآية الكريمة- إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا- بمقاس 80 طول وعرض، ووضعتها في علبة هدايا “لم يكن لدي خطة لمن أهديها”.

ويتذكر أنه عرض تلك الهدية على المجلس الأعلى المشرف على قبر الرسول الكريم، فحددوا وضعها على الحائط الجانبي للغرفة الشريفة، مشيرا إلى أن تلك اللوحة وزخرفتها، رسمها مرة واحدة فقط ولم تتكرر معه مرة ثانية.. لقد كانت إحدى العطايا.

الفنان السكندري جمال المليجي.. تصوير: دينا إسماعيل
الفنان السكندري جمال المليجي.. تصوير: دينا إسماعيل
الوسوم