في ذكرى مولده| سيدي القباري.. رفض مقابلة الملوك والأمراء ولقب بـ “عاشق الزهور”

في ذكرى مولده| سيدي القباري.. رفض مقابلة الملوك والأمراء ولقب بـ “عاشق الزهور” تصوير: نشوى فاروق

سيدي محمد القباري، يعد من كبار مشايخ الصوفية والذي سميت منطقة القباري الكائنة بغربي محافظة الإسكندرية على اسمه، ويحتفل مريدوه بذكرى مولده بداية من أمس الجمعة 14 سبتمبر الجاري وحتى الخميس 20 من ذات الشهر، حيث الليلة الختامية.

واشتهر القباري بحبه للزهور، لذلك عاش وتوفي داخل بستان من الأزهار بنفس المنطقة، وكان مصابا بفقدان 3 حواس، فهو كان لا يسمع ولا يتذوق ولا يشم، ولكنه كان ورعا زاهدا في حب الله وعالما جليلا وله كرامات جعلت الظاهر بيبرس يذهب لمقابلته وطلب منه تعمير الإسكندرية لعشقه لها.

سيدي محمد القباري

هو محمد بن منصور بن يحيى القباري السكندري المالكي، وكنيته أبو القاسم، ولد بمحافظة الإسكندرية عام 587هـ – 1191م، وعاش وتربى بها ولم يتركها سوى مرة واحدة لأداءه بفريضة الحج، وعاش بمنطقة القباري التي سميت نسبة إلى اسمه، بحسب الشيخ محمد صفوت، وكيل المشيخة العامة للطرق الصوفية بالإسكندرية وضواحيها، لـ “إسكندراني”.

ويقول صفوت، إن والد سيدي القباري قبل وفاته، ترك له ولأخيه ورث عبارة عن بيت صغير فقير وبستان زهور في منطقة الرمل بشرقي الإسكندرية، إلا أنه كان يعشق منطقة القباري، وقرر أن يعيش في خلوة بعيدًا عن الناس ورثها هي الأخرى عن أبيه ليتمكن من عبادة الله وتعاليم الدين، فاختار منطقة بعيدة بغربي الإسكندرية وهي القباري، مشيرا إلى أنه عاش في قصر أثري قديم متهدم وأقام حوله بستان من الزهور والورود والأشجار التي كان يعشقها، وسمي وقتها باسم “غيط القباري”.

ويضيف صفوت، أن سيدي القباري كان فاقدًا لثلاث حواس هم “التذوق والسمع والشم”، ولكنه كان يملك رضا العالم أجمع ولم يسخط مرة واحدة على ما ابتلاه الله به، مؤكدًا أنه كان دومًا يطلب من أقرانه أن يعيدوا عليه دروس الدين التي كان يحضرها في مجالس العلم حتى تصل له لضعف سمعه الشديد.

عاشق الزهور

ويحكي الشيخ محمد صفوت، وكيل المشيخة الصوفية، لـ “إسكندراني”، أن سيدي القبارى كان عاشقًا للزهور فكان ماهرًا في زراعة أنواع كثيرة منها، وكان يزرع الفاكهة والخضروات بنفسه داخل بستانه ويعيش ويأكل من ثماره، مشيرًا إلى أنه قيل إنه اشتهر بـ “القباري” نسبة لحبه في ثمار القبار وهو نوع من فاكهة العنب الذي كان يزرعها في بستان الزهور الخاص به.

ويوضح صفوت، أن الشيخ القباري كان عالما جليلا ورعا زاهدا وكان من ضمن شيوخ الوقف بالإسكندرية، مؤكدا أن الشيخ القباري كان دوما يفسر سر اعتكافه في بستانه بأن النفس لا تصلح إلا بالعزلة، والعزلة لا تصلح إلا بقطع الطمع، ومن كثرة ورعه وشهرته التي وصلت للملك العادل الذي قام بإرسال كيس من النقود به ألف دينار، فرفض سيدي القباري أخذه، لأنه كان عزيز النفس لا يأكل إلا من تعبه ويده وكرامته وعزة نفسه عالية.

ويشير إلى أن سيدي القباري كان له تلامذته وهم من مشايخ الصوفية وعلماء الدين، مثل أبي العباس المرسي وياقوت العرش والشيخ أبي الحسن الشاذلي.

مقابلة الأمراء والملوك

“كان يرفض مقابلة الأمراء والملوك، ويرى أنه لا جدوى لمقابلتهم فهي مضيعة للوقت، وحينما أراد الملك الكامل مقابلة الشيخ محمد القباري، ذهب إليه حتى باب بستانه، ولكنه رفض مقابلته، ولكن حينما طلب الملك الظاهر بيبرس عام 661هـ – 1263م، مقابلة “القباري” فقال لحراسه من يريدني يأتي لي، وفقا لما قاله محمد عبد الجليل، الباحث في علوم التصوف وأئمة الصوفية وعضو المشيخة العامة للطرق الصوفية بالإسكندرية، لـ “إسكندراني”.

ويضيف عبد الجليل، أنه بالفعل ذهب إليه “بيبرس” داخل بستانه بمنطقة القباري، وسأله إذا كان يريد شيئًا، فطلب منه “القباري” تحصين الإسكندرية وتعميرها، وبالفعل حينما خرج وعاد بيبرس لقصره، أمر بمعاينة أسوار الإسكندرية وقرر ترميمها وتحصينها، وذلك طبقا لما ذكره المؤرخ ابن واصل.

ويتابع عبد الجليل، أن “بيبرس” قام حينها ببناء قلاع وأسوار حربية لحماية الإسكندرية، بناءً على طلب الشيخ القباري.

وبحسب الباحث في علوم التصوف، فإن الشيخ القباري عاصر في طفولته عصر صلاح الدين الأيوبي، وحينما أصبح كهلا كبيرا شهد دولة المماليك وكفاح المصريين ضد الصليبين، وكان دوما يحفظ تلامذته على حب الوطن والكفاح والعزة والكرامة والشقاء والعمل.

صاحب الكرامات

ويقول خميس أبو سعيدة، صوفي وأحد أبناء الطريقة البيومية بالإسكندرية، لـ “إسكندراني”، إن الشيخ القباري كان صاحب كرامات لكونه من كان يذهب إليه شاكيا يذهب عنه الله البأس لكونه كان يبسط لهم أمور دنياهم ودينهم وينصحهم بكثرة الصلاة والتقرب لله، وكان يدعو لمن يطلب منه الدعاء لله، فكانت دعوته مستجابة لا ترد، لذلك أطلقوا عليه المريدين أبو الكرامات.

مسجد أثري

ويقع مسجد سيدي محمد القباري، في منطقة القباري الكائنة بغربي محافظة الإسكندرية، وتبلغ مساحته الكلية حوالي 600 مترًا عبارة عن ساحة تبلغ مساحتها 252 مترًا مربعًا يحيط بها سور مرتفع يبلغ ارتفاعه ستة أمتار مبني من الحجر المصقول ويحيط بهذه الساحة من جانبيها مصليتان.

ويوجد بالمسجد مدخلين رئيسين أحدهما يقع في الجهة الشمالية، ويؤدي إلى فناء كبير مساحته تبلغ 280 مترًا تقريبًا، بينما يقع المدخل الآخر في الجهة الغربية ويؤدي إلى فناء آخر تبلغ مساحته نحو 288 مترًا.

وتقع مئذنة المسجد في الجهة الشمالية المقابلة لحائط القبلة داخل السور، وترجع تلك المئذنة إلى القرن التاسع عشر حينما بنائها محمد سعيد باشا آنذاك.

وتتكون المئذنة من دورتين رشيقتين يفصل بينهما شرفة للمؤذن، تقوم على عدة صفوف من الدلايات النحاسية القديمة، وتنتهي المئذنة بعمود اسطواني مفصص تعلوه خوصة أكبر منه مشغولة بالزخارف الإسلامية القديمة.

وبجوار تلك المئذنة يقع ضريح الشيخ محمد القباري الذي دفن فيه، ويتكون الضريح من حجرة مربعة تغطيها قبة خضراء تقوم على رقبة بها ثماني نوافذ، وترجع عمارة القبة إلى القرن التاسع عشر، وهي مغطاة بالبيارق الخضراء والشموع.

وفاة سيدي القباري

ويعاود الشيخ محمد صفوت، وكيل المشيخة الصوفية بالإسكندرية، الحديث قائلا لـ “إسكندراني”، إن الشيخ محمد القباري توفي في الإسكندرية يوم 6 شعبان عام 662 هـ – 1264م، عن عمر يناهز 75 عامًا، ودفن ببستانه في الجهة الغربية وأقيم عليه ضريح، مؤكدًا أنه في منتصف القرن التاسع عشر أمر وقتها الخديوي محمد سعيد باشا ببناء مسجد حول ضريحه الموجود بالبستان، كنوع من الاعتزاز بمسيرته وزهده وورعه، ثم تم تجديده مرة أخرى عام 1968.

ويضيف صفوت، أن المشيخة الصوفية بالإسكندرية تحتفل بذكرى مولد هذا العالم والشيخ الجليل بمسيرة تبدأ يوم 14 سبتمبر الجاري، ويستمر المولد حتى الليلة الختامية في يوم الخميس المقبل الموافق 20 سبتمبر الجاري، مؤكدًا أن الاحتفالات مستمرة بشكل يومي حتى الليلة الختامية من خلال تلاوة القرآن الكريم والأذكار الشرعية والإنشاد الديني وإطعام المريدين وحلقات الذكر.

الوسوم