“الموتى يجمعون الأدعية في قُفة”.. خرافات وحقائق عن زيارة القبور في الأعياد

“الموتى يجمعون الأدعية في قُفة”.. خرافات وحقائق عن زيارة القبور في الأعياد صورة أرشيفية مسموح بإعادة استخدامها

“الموتى يصعدون أعلى مقابرهم، ينتظرون أحبابهم، حاملين أشياءً كأوعية يضعون فيها الأدعية التي تصلهم من أحبابهم، وزيارتهم واجبة كي لا يبكون الوحدة، ولكن العروس والحامل والنفساء، لا تذهب للقبور منعًا للضرر”، تلك هي معتقدات البعض عن زيارة القبور.

عادات متوارثة

تقول نادية محمد، ربة منزل، إن زيارة القبور عادات متوارثة من الأهالي والأجداد، لقراءة القرآن على أرواح الموتى جميعًا، مضيفة أنهم يشعرون بهم وكأنهم مرضى في مستشفى، وليسوا موتى، فيرون أحبتهم كالأحياء، بمجرد أن يلقون عليهم السلام، ولكن يجب عدم التفوه بأمور حرمها الله، كالنواح والصراخ، فالمتوفى ينفر من ذلك وتغادرهم روحه، كما أن عدم زيارته والدعاء له تجعله حزين بين جيرانه، فيعتقد أنه في طي النسيان.

وأضافت أنها توجهت أول أيام عيد الفطر المبارك إلى مقابر العائلة بالإسكندرية، برفقة زوجة شقيقها، لزيارة أخيها المتوفى، ولكن هناك من يفضلون الزيارة في اليوم التالي، لأن اليوم الأول خصص للفرح فقط، مشيرة إلى أن هناك من يزور المقابر أسبوعيًا، ولكن في كل الأحوال الزيارة ليست فرضًا عليهم، ولأن جذورها صعيدية، فالتغيب عن زيارة الميت تفتح مجالاً للمعايرة بين الأقارب، وللاتهامات بعدم الوفاء للميت.

انتظار الزيارة

وروى أحدهم لـ نادية، أن الميت يصعد فوق تربته يوميًا، في انتظار زيارة أحدهم وقراءة الفاتحة له، وذلك حتى وقت العصر، ليعود إلى موقعه حزينًا في حال لم يزره أحدًا، وفي رواية أخرى لإحدى السيدات، تقول إن المتوفين يصعدون فوق التربة حاملين “قُفة – وعاء” في أيديهم لجمع الأدعية التي يرسلها إليهم أحبائهم، أما من يقرأ الفاتحة ويدعو لجميع موتى المسلمين، فتوزع تلك الأدعية على “القفف – الأوعية”، وهو ما يسعد الميت.

زيارة المقابر في العيد

استهلال عيد الفطر المبارك بزيارة المقابر، يعد إحدى العادات والطقوس التي يمارسها المصريين منذ سنوات، دون تفرقة في ذلك بين غني وفقير، محافظة، مركز، قرية، أو نجع، فيما يرى البعض فيها حرمانية تقتضي تركها، فيعزفون عن زيارة ذويهم وأصدقائهم الموتى في مقابرهم في هذا اليوم تحديدًا، باعتبارها منافية لفرحة العيد.

ويقول محمد عبد العزيز، إن عادات زيارة المقابر في الأعياد هي من الضرورات، ولا يعزف عنها غالبية أهالي سوهاج التي تعد موطنه الأصلي، فبعد تكبيرات العيد مباشرة يتوجه الأشخاص إلى المقابر لزيارة موتاهم، والبعض يقوم بذلك عقب الصلاة في الخلاء مباشرة، ويوزعون “قرص، فايش، برتقال، بسكويت، عنب، موز”، على “الحبايب” وهو “التربي” الذي يتولى مهمة دفن الموتى، وهم من الفقراء الذين يعيشون على مساعدات الغير، ويتواجدون بكثرة في قرى مدينة سوهاج، مضيفًا: “البلد الوحيدة اللي رزقها في الشحاتة”، نظرًا لندرة فرص العمل فيها.

زيارة الميت بعد دفنه مباشرة

ومن بين الطقوس، زيارة الميت بعد دفنه بأسبوع أو 10 أيام، فيتذكر فيها الزائر نهايته، ويتلو القرآن والأدعية على روح المتوفى، ولكنها أيضًا لا تخلو من المجاملات، ففي حال صادف وجود متوفى جديد أثناء توزيع الحلوى، ووزع منها صدقة على روح الوافد الحديث، فإن ردها يكون واجب على ذوي الأخير، ولا بد منه حتى وإن كان خارج البلد، عليه أن يعود خصيصًا لتقديم ذلك الواجب، سواء كان حفل زفاف أو عزاء “عشان أشرفهم” – على حد قول عبد العزيز – ويكون ضعف ما أخذه، فيستأجر سيارة خصيصًا من أجلهم تحتوي على تلك الأشياء وتوزع من أجلهم فقط دون شريك.

المتزوجات حديثًا

عبير إبراهيم، ربة منزل، كانت ترغب في زيارة قبر والدها لقراءة الفاتحة والدعاء له، إلا أن سيدات عائلتها جعلنّها تعزف عن ذلك، لأنها كانت متزوجة حديثًا، وفي المرة الثانية التي طلبت ذلك كان لهن نفس الموقف، لأنها كانت حامل في طفلتها الأولى، لتأكيدهن أن ذلك نذير شوؤم وأن زيارة الموتى يوقع الضرر على العروس، الحامل، والنفساء، كما أفتين لها بأن “الأربعين – الخمسان”، وزيارة المقابر في الأعياد أمور محرمة شرعًا.

وقالت عبير إنها لا تعلم مدى صحة تلك النصائح والفتوى من عدمها، إلا أنها حتى وإن لم تكن مقتنعة بها، فهي أمور تثير الخيفة في داخلها وتجعلها تستجيب لهن.

رأي الأوقاف

ورد الشيخ محمد العجمي، وكيل وزارة الأوقاف بالإسكندرية، على تلك الإدعاءات بأن تخصيص يوم العيد لزيارة القبور، لم يرد فيه نهي بعينه، إلا أنه يعد من البدع، لأنه تخصيص لم يأت به الشرع، فزيارتها مشروعة في كل وقت للاتعاظ وأخذ العبرة والدعاء للأموات، وتخصيصها بزمن معين يوهم البعض بأن الزيارة في ذلك الزمن سنة مشروعة، فيعتقدون مشروعية ما لم يرد به الشرع، ولذا أفتى أهل العلم ببدعية تخصيص زيارة القبور بيوم العيد، سواء كان ذلك من الرجال أو النساء، موضحًا أن التعليل بأنه صلة للرحم سبب “عليل”، متسائلًا: وهل ضاقت الأرض بمكان يمكن أن توصل الرحم فيه إلا في المقابر؟

وأما عن البكاء على الميت، فيؤكد العجمي في تصريح لـ”إسكندراني”، أن الله لا يؤاخذ به، ولكن يؤاخذ على النوح والصياح والصراخ، لقوله صل الله عليه وسلم: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ) متفق عليه، أما فيما يتعلق بتوزيع الحلوى في الأعياد وغيرها فهو جائز، ولكن المقابر ليست مكانًا مناسبًا لذلك، فزيارة القبور غرضها الموعظة والاعتبار، وليس الطعام والشراب، فإن اقتصر الأمر على التصدق بالمال على الفقراء فذلك أفضل، ونصح به.

وعن زيارة النساء للقبور، قال العجمي إنها أهل العلم اختلفوا فيها إلى ثلاثة أقوال: فمنهم من منع، ومنهم من أطلق الإباحة، ومنهم من أجاز ذلك بشروط، جمعًا بين الأدلة، وهذا الأخير هو أقرب الأقوال للصواب، فقد روى الترمذي في صحيحه عن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صل الله عليه وسلم: “كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الآخرة”، موضحًا أن أصل الحديث في مسلم، والمرأة تحتاج إلى التذكير كالرجل تمامًا، وثبت عنه صل الله عليه وسلم قوله: “النساء شقائق الرجال”، وأما قوله صل الله عليه وسلم: “لعن الله زوارات القبور”، رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، فإن اللعن لمن تكثر الزيارة، كما هو واضح من الصيغة، فخلاصة القول إنه يجوز للمرأة أن تزور القبور إن أمنت الجزع وخرجت غير سافرة أو متعطرة، وألا تكثر الزيارة وألا تتحرى أيامًا محددة تعتقد أن لها فضلاً في الزيارة.

الوسوم