بنحبوه وأيوه.. اللهجة الإسكندرانية تراث تكون عبر العصور وتهدده الحداثة

بنحبوه وأيوه.. اللهجة الإسكندرانية تراث تكون عبر العصور وتهدده الحداثة اللهجة الإسكندرانية تراث تكون عبر العصور وتهدده الحداثة

اللهجة الإسكندرانية تراث تكون عبر العصور وتهدده الحداثة

“من بحري وبنحبوه على القمة بنستنوه، شبكه الجمالات وشبكني وازى نقدروا ننسوه، من بحري وبنحبوه ايوه ايوه، سلمت عليه باليد والعين بصت للعين، خطه ومن غير مواعيد زادو العشاق أتنين، شغلتني عينيه من نظرتها ويخوفى عليه من حلاوتها، ليروح منى ويخدوه والفكر في حبه يتوه، أيوه أيوه”.. تلك الأغنية الشهيرة التي كتب كلماتها الشاعر فتحي قورة، ولحنها الفنان عبد العزيز محمود، وغنتها الفنانة هدى سلطان، في فيلم “رصيف نمرة خمسة”، الذي جرت أحداثه في محافظة الإسكندرية عام 1956، ومن خلاله تصدرت اللهجة الإسكندرانية طريقة الحوار والتمثيل لتكون هي الحاضرة والناطقة باسم أهل الثغر.

اللهجة الإسكندرانية 

“أحيه وأيوه وهناكلوا وننزلوا ونشربوا ونركبوا المشروع، ونتمشوا علي الكورنيش ونشموا هوا البحر، ونوصلوا لبحري عشان نزور القلعة ونتصورو هناك”، جميعها مفردات خاصة بقاموس السكندرية منذ سنوات طويلة كلغة حوار رئيسية وطريقة كلام تميزهم عن سائر محافظات مصر، لكن مع التطور والحداثة لم تعد جميع هذه المفردات حية على ألسنة السكندرية، حيث سقط معظمها من اللهجة السكندرية لتبقى بعض هذه المفردات فقط على ألسنة الجيل الجديد، بحسب طارق عبد العال، الباحث في التراث واللهجات الشرقية بجامعة الإسكندرية.

يقول عبدالعال إن اللهجة السكندرية للأسف أصبحت في طريقها للاندثار بسبب سرعة العصر الحديث والانترنت، ودخول طرق جديدة للحوار وتصدر اللغات الأجنبية لكل مناحي حياتنا، والثقافات الجديدة التي نكتسبها من كل الدول، لذلك أصبح تراثنا مهددا بالاندثار، بل وأصبح السكندريون بذاتهم لا يستخدمون لغة الضم وكسر الكلمات كثيرا حاليا، مثلما تظهرهم الأفلام والمسلسلات بل اقتصرت لهجتهم علي استخدام كلمتين هما الأكثر شهرة وتميزا بالنسبة لهم حاليا وهم “أيوه وأحيه” إذ يعبران عن الدهشة والتعجب وأحيانا الاستنكار.

ويضيف الباحث في التراث واللهجات الشرقية أنه منذ زمن طويل ولمحافظة الإسكندرية طابعا خاصا منذ أن ميزها الإسكندر الأكبر وجعلها وكأنها جمهورية مستقلة بأهلها لكونها كانت تحوى على العديد من الثقافات علي مر العصور، ما جعل سكانها الأصليين يتأثرون بخليط من اللهجات جعلتهم مميزين عن سائر محافظات مصر، مؤكدا أن الاسكندراني بالفعل يشعر وكأنها ابن مميز ورائع الجمال لذلك فهم لا يحبون مقارنتهم بأي من محافظات أخرى ما جعل السكندريين نرجسيين بطبعهم لكون مدينتهم تتمتع بجمال وحضارة لا مثيل لها.

ماذا بقى؟

غير أن ثمة مجموعة من الكلمات والمصطلحات الخاصة جدا بتراث السكندرية، التي مازالت تستخدم في بعض المناطق في الثغر مثل بحري والأنفوشي والمنشية وكرموز وغيرها من الأحياء الشعبية، حيث يرصد “إسكندرانى” أشهر تلك الكلمات.

أحّييه، وهي كلمة تعني الاستنكار أو التعجب وهي من أشهر الكلمات في المجتمع السكندري فالجميع ينطقها دون تفرقة طبقية.

أيوه، وهي كلمة تعنى الدهشة والتعجب وأيضا ينطقها نسبة كبيرة من السكندريين.

فَلافِل، وهي تعنى الطعمية لدى القاهريين، وهي كلمة أصلها شامي.

مشروع، ويعني نوع من أنواع وسائل المواصلات أي الميكروباص.

جِنِي، وهو يعنى الجنيه المصري.

الإمّة، وتعني ناصية الشارع.

شط، وهي اختصار لكلمة شاطئ.

أنى، وتعنى أنا.

جُومَة، وتعنى  الممحاة “الأستيكة” وأصلها إيطالي.

شي، وتعنى مشروب الشاي.

ولا، وتعنى النداء علي الصبي أو الولد.

كولة، وتعنى ياقة القميص.

مستيكة، وتعنى العلكة أو اللبان وأصلها إيطالي.

صَحْن، ويعنى طبق بالعامية.

سدق، ويعنى سجق.

رَشّاءَة، وتعنى  الشماعة.

سمات اللغة

ويصف محمد اللقاني، الباحث في التراث سمات اللغة السكندرية، مشيرا إلى أن الأسكندرانية لهم سمات وصفات خاصة تبدأ من طريقة كلامهم، وهي السمة التي تجعلك تتأكد من أن الشخص الذي يحدثك من أبناء عروس البحر الأبيض المتوسط، لكونه نطق كلمة معنية بهم أو كسر حرف ما، حيث تعتبر اللهجة السكندرية هي خليط من الثقافات التي غزت الثغر من الشوام واليونانيين و الإيطاليين، وهذا الخليط الجميل، بحسب الباحث، الذي يضم سائر الثقافات أنتج لنا شيئا جميل اسمه الإسكندرية.

ويضيف “اللقانى” أن اللهجة السكندرية تتميز بكونها تضع فتحة في معظم الأفعال الماضية، حيث يقال بفتح الحرفين الأول والثاني مثلا نَزَل، شَرَب، نَجَح، مَشَا، ومثلا كلمة بنحبوه أي نحبه، ونُحُطوه نضعه في مكان، ونِوَلّعو النّور وتعنى إنارة النور، مشيرا إلى أن هذا القاموس تكون عبر العصور المختلفة بسبب مزيج الثقافات التي شهدته الإسكندرية، التي تميزت من خلاله وأصبح لها طابع خاص.

جزء من الهوية

تقول إيمان سعيد، 23 عاما، خريجة فنون جميلة، ومقيمة بالإسكندرية، لـ”اسكندرانى” إنها ما زالت تنطق بكلمات “أحيه وأيوه” لكونهما جزءا منا نحن السكندريون ولا أشعر بالخجل حينما أنطقهما بين زملائي من المدن والمحافظات الأخرى بل إن احتفاظي بتردد مصطلحات سكندرية أمام الغرباء تعطيني شعور بالهوية والانتماء والحب لمحافظتي الجميلة الإسكندرية، مؤكدة أنها تسعى دوما للحديث باللهجة السكندرية بالشكل الحديث وليست بطريقة الكسر والضم في كل الكلام لكنها مازالت تحتفظ بالمصطلحات الخاصة بهم مثل “سدق، فلافل، مشروع، زقاق، مستيكة” تأكيدا علي الهوية.

ويشاركها الرأي، رامى توفيق علي، 35 عاما، مهندس معماري، ومقيم بالإسكندرية، مؤكدا أن اللهجة السكندرية تعتبر واحدة من سمات الهوية والحفاظ علي التراث الذي تميزت به الثغر وهذا ما يجعل السكندريين حتى الآن يذكرون في حواراتهم مع بعضهم البعض بعضا من المصطلحات الخاصة بالسكندريين .

مهددة بالاندثار

رامى توفيق علي، يؤكد لـ”إسكندرانى”، أن الجيل الجديد أصبح يتحدث اللهجة القاهرية بل وأصبح بعضهم يتخلون عن طريقة كسر وضم الكلمات، وذلك ليس عن قصد أو تعمد ولكن ما هو إلا لمواكبة الموضة والغزو التكنولوجي الكبير وطفرة مواقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، التي جعلت الشباب الصغير يتربي علي اللهجة المصرية العامية متخليا عن طبيعة وهوية محافظته.

جومانا علوى، 29 عاما، أحد المهتمين بالتراث السكندري، توضح لـ “إسكندرانى”، أنه على السكندريين تربية أبنائهم علي تعزيز الهوية من خلال اللهجة السكندرية التي تعد واحدة من أهم اللهجات المصرية التي مزجت بين الجنسيات المختلفة ليخرج هذا “الميكس الاسكندرانى”، بحسب تعبيرها، لذلك فعلينا أن نعزز ذلك لدى الأجيال الجديدة لنعطيهم درسا قويا في الحفاظ علي الهوية والتراث واللهجة التي تجعلنا فخورين بكوننا أبناء تلك المحافظة متعددة الثقافات ومتنوعة الحضارات.

 

الوسوم