بالفيديو| العقارات المخالفة في الإسكندرية.. أرواح يحصدها الفساد

بالفيديو| العقارات المخالفة في الإسكندرية.. أرواح يحصدها الفساد

 

أزقة تدخلها تشعر وكأنك تسير داخل نفق بسبب ارتفاع العقارات على كل الجوانب، بالكاد تشعر بوجود الضوء يسطع في محيطك، مأساة تشعر بها بمجرد سيرك في شوارع الإسكندرية وكأنك تتنبا بحدوث كارثة في القريب العاجل، يدعم نبوئتك ما تشهده -عروس البحر المتوسط- كل فترة بانهيار عقار وميل عقار على آخر، وقلما ينجو سكانه.

“أرواح يحصدها الفساد”.. هكذا يمكنك التعبير عن واقع مرير في الإسكندرية، فقانون البناء يسمح بارتفاع مرة ونصف عرض الشارع، فمثلا شارع عرضه 10 أمتار مسموح لك ببناء عقار ارتفاعه 15 مترا -أي 5 طوابق- لكنك تفاجأ أنك تسير في شارع لا يتعدى 6 أمتار والأبراج تحيط بك من كل جانب وأقلهم ارتفاعًا 15 طابق.

عدد العقارات المخالفة

48 ألف و665 حالة عقار مخالف هي حصيلة تراخي ثمانية أحياء على مستوى المحافظة في ترك البناء العشوائي يتفرع في جميع المناطق خلال 11 عام منذ 2006 وحتى الآن، وذلك طبقاً لإحصائية أصدرتها محافظة الإسكندرية برئاسة الدكتور محمد سلطان في نهاية شهر يونيو الماضي بعد وقوع أزمة عقار الأزرايطة المائل.

ورغم تعاقب المحافظين والمسؤولين على الإسكندرية خلال السنوات الماضية، إلا إنه لا أحد منهم يمكن وصفه بالبطل القاضي على تلك الظاهرة التي أنتشرت من الأحياء البسيطة والعشوائية وخاصة بحي المنتزة ثان إلى الأحياء الراقية التي تمثل المظهر الحضاري للمحافظة.

أزمة المخالفات بحي المنتزة ثان
يعتبر حي المنتزة ثان واحد من أكثر الأحياء الكارثية في البناء المخالف، وصاحب أكبر حصيلة انهيارات خلال السنوات الماضية، حيث يشهد كل موسم شتاء حالات انهيارات منازل، إلا أن أكثرها ألماً حادث سقوط عقار مخالف مكون من 12 طابق بمنطقة المعمورة البلد والذي راح ضحيته 23 قتيلا بينهم 7 أطفال، وقرابة 12 مصابا وذلك في عام 2013، وبعدها في شهر اكتوبر من عام 2016 سقط عقار أخر في منطقة أبو قير بنفس الحي والذي بلغ عدد ضحاياه 12 شخصا ما بين قتيل ومصاب، وذلك طبقاً لإحصائيات مديرية الشئون الصحية بالإسكندرية.

سكان الحي: ننتظر كارثة كل شتاء
“مش بنشوف مسؤول غير لما تحصل كارثة ويموت ناس.. غير كده المقاولين شغالين بناء مخالف ومحدش بيوفقهم”، قالها الحاج إبراهيم فتح الله، عامل نجارة بمنطقة المعمورة البلد بنفس الشارع الذي وقع فيه حادث انهيار عقار في عام 2013، مضيفاً أن الحي علي موعد كل شتاء مع كارثة جديدة لسقوط عقار مخالف ووقوع ضحايا، وذلك من العقارات التي يبلغ ارتفاعها 15 دور وأكثر في شوارع لا تتعدى مساحتها 10 أمتار.

وأوضح فتح الله أنه بعد أزمة انهيار العقار في شارعهم وعدهم مسئولو الحي والمحافظة بمتابعة أزمة باقي المباني المخالفة بالمنطقة، إلا إنهم لم يروهم بعدها، مضيفاً أن المنطقة أرض زراعية الأصل وتربتها لا تتحمل تلك المباني الضخمة، حيث كانت في السابق عبارة عن أرض زراعية لا يبني عليها إلا منازل لا تتعدى 4 أدوار، فأصبحت مؤخراً أبراج سكنية عالية تتأرجح مع تيارات الهواء الشديدة خلال موسم الشتاء.

وقال مينا فوزي؛ أحد سكان منطقة أبو قير، إنه يسكن بالمنطقة منذ قرابة 50 عاما حيث أنه في منزل عائلة ولد وتزوج فيه، مضيفاً إنه خلال السنوات بعد الثورة أصبح البناء المخالف ورفع الأدور ظاهرة معتادة لا تجد من يتصدى لها، لافتاً إلى أن الأهالي كثيرا ما تقدموا للحي ببلاغات ضد مخالفات ولكن مسؤولي الحي يأتون للمقاولين الذين يتفاوضون معهم من أجل تمرير الأمر مقابل الرشاوى – بحسب قوله.

وأضاف فوزي أن هناك مشاكل عديدة أصبحت تعاني منها المنطقة بسبب البناء المخالف، ومنها مشاكل الصرف الصحي التي تواجههم كل شتاء، وتهالك البنية التحتية، وميل العقارات، لافتا أن الأدهي من انتشار العقارات المخالفة هو وجود مرافق مياه وكهرباء لها، ما يعني أن الحكومة تحاول الأستفادة من المخالفات بدلاً من تقنينها وإزالتها.

خبراء يكشفون سبب الأزمة
“زلزال بقدرة 6 يختر قادر أن يسبب كوارث بالإسكندرية”، قالها الدكتور عبد العزيز قنصوة؛ عميد كلية الهندسة بالإسكندرية، وذلك خلال كلمته في حفل تكريم المشاركين في حل أزمة عقار الأزرايطة المائل، مضيفاً أنه لن يكون آخر مآسي المحافظة في ظل ما تعانيه من تفشي للبناء المخالف وعدم وجود قوة رادعة من الأحياء وحل للمشكلة من جذورها وعدم تطبيق قرارات الإزالة.

وأوضح قنصوة إن بحث الأسباب التي أدت إلى تفاقم الأزمة سبب رئيسي في الحل، ومنها سبب عدم التوسع العمراني والتخطيط العمراني لمحافظة الإسكندرية، وبناء مباني مخالفة كما حدث فى أراضي ريف المنتزه، بالإضافة إلى وجود بعض العناصر الفاسدة فى الأحياء، انتشار الانفلات السلوكي من المقاولين المتخصصين في المخالفات، واستغلال بعض الثغرات القانونية فى القانون رقم) 119 لسنة 2008 أدت إلى تهرب المالك الحقيقي.

“تراخي أجهزة الأحياء جعل الأزمة تتفاقم، وقرارات الإزالة حبر على ورق”، قالها حسن خيري؛ أستاذ عمارة وخبير في الإدارة المحلية، مضيفاً أن تصنيف المشكلة له عدة أبعاد ولكن السبب الرئيسي في تفشيها هو فساد المحليات وتراخي موظفو الأحياء عن تنفيذ قرارات إزالة ضد المخالفين وإمهالهم فرصة قبل التنفيذ ومن بعدها الإزالة بالقوة الجبرية، لافتاً إلى أن الإسكندرية تحتل المركز الأول في قرارات الإزالة المًعطلة وسط صمت غير مبرر من مسؤولي المحليات.

“المقاولون يستغلون بعض الثغرات القانونية فى القانون رقم 119 لسنة 2008 أدت إلى تهرب المالك الحقيقي من المحاكمة”، أضافها خيري، موضحاً إن غالبية المقاولين المتورطين في أعمال المخالفات الحالية يلجأون لإسناد عبء العقاب القانوني عنهم إلي شخصية وهمية لم يستدل على عنوانها في التحقيقات، أو بأشخاص اعتبارية خارج مصر، وهو ما يسمي بظاهرة “الكاحول”، لافتا إلى أن حملات الإزالة الحالية لا تمثل سوي 5% من حجم المواجهة.

حلول للأزمة
وأفاد خيري إن حلول أزمة البناء المخالف يجب أن تتطرق لمناقشة تحديد اشتراطات غير معقدة للبناء حتى لا يلجأ المقاولين للبناء دون ترخيص، حيث أن التشديد في إجراءات وقوانين البناء تسبب في التهرب من استخراج تصاريح من الأساس، وكذلك محاولة مصادرة الأدوار المخالفة، أو توفيق أوضاعها بعد التأكد من سلامتها الإنشائية، والإزالة فى حالة التعارض مع ذلك.

وأضاف خيري إن الدولة يجب أن تسعى للتوسع العمراني داخل نطاق الإسكندرية بدلاً من تكريث الاهتمام بتحسين حالة المناطق السياحية بالساحل الشمالي وتحويل أرضه من نائية إلى عمرانية ولكنها في النهاية لا تصلح لتوجهات الشباب في شراء وحدات سكنية بالقرب من أعمالهم في المدينة، وكذلك التوسع في استغلال أراضي الأوقاف، وتقديم تسهيلات في بيعها وخاصة للشباب.

وشدد خيري على ضرورة محاسبة مسؤولي الهدم ممن وصفهم بـ”المتواطئين” مع مقاولي العقارات المخالفة مقابل منافع مادية وشخصية، وكذلك تجريم المشاركة في شراء الوحدات السكنية المخالفة حتى لا يتساهل المواطنين فيها، وكذلك تطبيق رادع قانوني للمقاولين وتفعيل تطبيق حازم لقرارات قطع جميع المرافق من مياه شرب وكهرباء وصرف صحي وغاز عن العقارات المخالفة التي تم إنشاؤها دون ترخيص أو المخالفة لشروط الترخيص.

ومن جانب آخر قالت المهندسة سمر شلبي، نقيب مهندسي الإسكندرية، إن أزمة العقارات المخالفة بالإسكندرية أصبحت قنبلة موقوتة، في انتظار إما الإنفجار أو الحل، مضيفة إنه لا يجب علينا انتظار الأزمات مثل ما حدث في عقار الأزاريطة المائل حتي يلتفت رؤساء الأحياء إلى واجبهم في تنفيذ قرارات الإزالة المُعطلة، بل يجب التعاون بين أساتذة الهندسة ونقابة المهندسين لإصلاح العيوب الموجودة بالجهاز الإداري، ومن بينها مخالفات البناء ووضع حلول منطقية وعلمية للأمر.

رئيس حي المنتزه يرد
ومن جانبه؛ قال اللواء عادل سلامة – رئيس حي المنتزه ثان، لـ”إسكندراني”، إنه حتى الآن لا توجد إحصائية دقيقة بعدد العقارات المخالفة في الحي، مضيفاً إن هناك حملة مكبرة تمت خلال الفترة الماضية لرصد المخالفات وإيقافها وإزالتها، والتي كان ضمنها خلال شهر يوليو الماضي بتنفيذ عدة قرارات إزالة، وذلك طبقاً لتعليمات الدكتور محمد سلطان – محافظ الإسكندرية،.

وأضاف سلامة إن ضمن القرارات التي تم تنفيذها رقم 229 لسنة 2017 الصادر بشأن العقار الكائن في الطريق الدولي بمنطقة أسكوت بالقطعة رقم 2 والذي تم بنائه دون ترخيص، وكذلك تنفيذ قرارات الإزالة رقم 295،294 لسنة 2017، والصادران بحق العقار الكائن بشارع عاطف السادات المتفرع من شارع سيدي كمال بمنطقة المندرة بحري، وغيرهم من القرارات.

محافظ الإسكندرية: 48 ألف مخالفة بناء و139 ألف قرار إزالة
يًذكر أن محافظ الإسكندرية ذكر في بيان صحفي في شهر يونيو الماضي، أن عدد المخالفات البنائية فى محافظة الإسكندرية منذ عام 2006 حتى الآن بلغ 48 ألف و665 مخالفة صادر لها أكثر من 139 ألف قرار إزالة، كان أغلبها بعد عام 2011، فضلاً عن وجود 31 ألف حالة بناء دون ترخيص، ويشمل البناء على الأراضي الزراعية أو ارتفاع الأدوار دون ترخيص، حيث وصل عدد حالات تجاوز الارتفاع إلى 10 آلاف و200 حالة.

وأضاف المحافظ أن الدراسة التي أعدها بشأن ملف البناء المخالف أوضحت أن من أهم أسباب البناء وصعوبة الإزالة هو قصور وفساد بعض موظفي الإدارة المحلية، والعمل بكثافة في أيام الإجازات والعطلات والأعياد، والعجز في عدد المهندسين، والإشغال الفعلي والصوري للسكان، والدراسات الأمنية والنزاعات القضائية.

الوسوم