الحلقة 1| جريمة “المتوحشة”.. من المجموعة القصصية “الدافع” لنشوى فاروق

الحلقة 1| جريمة “المتوحشة”.. من المجموعة القصصية “الدافع” لنشوى فاروق

كأن دقة عنيفة علي باب الشقة أيقظتها من شرودها خالدة في أحلامها، دقة زوجها عائدا من عمله، استسلمت سريعا لصياحه وهرولت لفتح باب الشقة.

دخل منزعجا وصوته الجهوري يزلزل جدران المنزل غاضبا لأنها تأخرت بضعة ثوان في فتح الباب، تركته وتوجهت إلي المطبخ لإحضار الغداء

السفرة معدة بالملاعق والشوك والسكاكين، ووعاء من البلاستيك المملوء بالخبز البلدي، الدورق و الأكواب، و الأطباق الخاوية.

هرعت رؤيات إلي المطبخ لتحضر الطعام، نزع محسن، ملابسه و أتخذ مجلسه فعلت هامته بصورة واضحة فوق مستوى مائدة الطعام، جاءت “رؤيات” بأواني الطعام الدجاج و الأرز والفاصوليا والمخلل والشوربة .

تحلق الأولاد السفرة، مصطفي ،12 عاما، و أحمد ،23 عاما، لتناول الطعام الشهي، ما أمهر زوجته “رؤيات ” طاهية ماهرة تضفي على طعامها مذاق خاص، يتحاشى الحديث معها حتى لا يصعق من قوتها وعصبيتها التي توجهها له في أغلب الأوقات ومعاتبته الدائمة لتقصيره في أداء طلبات المنزل المستمرة ودفع مصاريف دروس الأولاد .

السخط والغضب لا يفارق “رؤيات” منذ أن قبلت الزواج من” محسن” التي كانت لا تحبه ولا تطيق سيرته عندما كانوا جيرانا بقرية فلسطين، بالعامرية بغرب الإسكندرية، لكن القدر لم يمهل لـ “رؤيات” التفكير في قبول أو رفض الزواج من “محسن”، الذي لا بأس به من الشكل المقبول رغم الندابات الموجودة بوجهه والصلع الذي يعاني منه.

ولكن “رؤيات” فهي أمرأة بكل معاني الكلمة جميلة خمرية اللون، جسدها فارع، مغرية عندما يرمق إليها الرجال.

انتظمت السفرة حركة نشيطة في جو يسوده الصمت بالانشغال باللحاق بملاعق الطعام الشهي ولعاب “محسن” الذي لم يهدأ إلا عندما اخترقت الصمت “رؤيات ” بصوتها الناعم : فرح “مني” بنت خالي يوم الخميس يبقي يومان عليه ولابد أن نذهب ونشتري هدية قيمة لها مثلما أهدت مصطفى أبنك هاتف محمول في عيد ميلاده العام الماضي.

صمت “محسن” قليلا وتساءل بامتعاض: هل أضرب البحر ليطرح أموال؟ لم أشتري شيئا ! ولن تذهبين حفل الزفاف أنا لست موافقا ؟ الم تتذكري ماذا فعلت معك “مني” التي تقولين إنها أبنة خالك عندما طلبتي منها أن تقرضك مبلغ 500 جنيها لتقومي بدفع إيجار المنزل.. أدعت إنها لا تملك مليما واحدا .. و ها هي كانت في تلك الفترة ترتدي ذهب لا تقل قيمته عن 20 ألف جنيه؟  فهي تكرهك وتغير منك لأنك تزوجتي قبلها وأنتم في عمر واحدا.

نهرته “رؤيات” لن أسمح لك أن تتطاول علي أبنة خالي فهي بعد ذلك شرحت لي موقفها من الرفض، دع تلك الأمور ولا تدخل نفسك في كلام نسائي سوف تخرج منه مخطئ.

بعد الانتهاء من الطعام حدثت مشاحنة من المشاحنات التي لم تنته؟ ارتفع صوتهم في الشقة اهتزت الجدران لهما ما جعل الجيران يطرقون الباب

الجيران: أستاذ محسن .. ما الأمر هل حدث لكم و للأولاد مكروه؟  أجاب “محسن” من خلف باب الشقة بصوت أجش: لا يوجد شيئا.

دخلت “رؤيات “حجرة نومها وظلت تبكي وتندب حظها العسير الذي ألقي بها في أحضان رجل مجنون، و شكاك، وبخيل، وفقير ، جعل مسحة الجمال في وجهها تجف فلم يبق لها إلا شبابها المهجور.

ظلت “رؤيات” تفكر في تحول شخصية زوجها بهذه الدرجة الكبيرة من السخط والجنون، و استرجعت ذكرياتها حيث كانت في يوم من الأيام خرجت لتقضي بعض طلبات المنزل، ثم بالمصادفة تقابلت مع “عوض” زميل زوجها في العمل في ورشة البلاط الخام، وتجاذبا أطراف الحديث سويا والضحكات و الهمهمات الهامسة .

حيث كان “عوض” موهوم بجمال وجسد “رؤيات” وكان يتمني أن يفوز بها في يوم من الأيام، أستغل “عوض” معرفته بـ “محسن” زوجها والذي حكي له عن خلافاته معها، ما جعله يستغل نقاط ضعفها ليصبح هو لها السند الطيب والصديق الوفي.

ظلت “رؤيات” تسير مع “عوض” في تلك الليلة في شوارع قريتهم حتى عرض عليها الذهاب معه إلي الورشة خوفا عليها من أن يشاهدهما أحدا من جيرانهما ويخبر زوجها لم تتردد “رؤيات” في قبول  العرض، ووافقت وذهبت معه وهناك جلسا يضحكان.

عوض: تناولي زجاجة المياه الغازية حتى تروي عطشك وتطبطب عرقك

تناولت “رؤيات” الزجاجة من يده وتناولت رشفة بسيطة منها، أقترب منها بشكل كبير، وقام بأخذ الزجاجة من يدها، وظل يقترب منها أكثر فأكثر حتى مال عليها وحاول تقبيلها .

إلا إنها نهرته وصفعته علي وجهه، و قامت بتوبيخه بوابل من الشتائم

صمت “عوض” قليلا ثم رد عليها أتريدين إقناعي بأنك آتيتي معي لسرد مشاكلك الزوجية وليس مثلما فعلت؟ أجابته :أنت إنسان واطى وناكر لجميل زوجي عليك، وختمت حديثها معه أنا سوف أفرجك؟ ماذا أفعل فيك أيها الحقير.

وسألت نفسها هل ممكن أن “عوض” الحقير قد أباح لزوجي بهذا السر؟ خاصة بعد تغير معاملته معي بشكل كبير.. لا أعلم .. لا أدري شيئا .. وتساءلت هل أنا امرأة فاجرة .. خائنة لـ زوجي الذي لم يدخل قلبي لحظة قط.. لا أعلم !

طرقة سريعة علي باب حجرة نومها ماما . ماما ؟ أنا مصطفي ؟ هل مازلت غاضبة من أبي ؟ أجابت رؤيات: لا يا حبيبي أنا أغفلت ما حدث

وتساءل “مصطفي” هل تذهبين إلي حفل زفاف “مني” بنت “خالو محمود”؟ أجابت “رؤيات” نعم سوف نذهب .

رد عليها “مصطفي”: كيف يا ماما وأبي مصمم علي عدم خروجك من المنزل نهائيا!

الأم رؤيات: لم يقدر علي فعل شئ سوف أخرج رغما عنه ويفعل ما يفعل أنا لم أعد أبكي علي شيئا بعد اليوم .. شبابي هدر وذبل وجف من تربيتك أنت وأخيك وخدمة أبيك الذي لم يقدر شيئا..ولم يفعلها في حياته ويشتري لي هدية عيد الأم مثل باقي الأزواج حتى يطيب خاطري .

سردت “رؤيات” دون أن تدري أوجاعها ومرارا طفح الكيل من زوجها إلي طفلها الصغير “مصطفي” الذي يعشق أمه ولا يحب أبيه إطلاقا لما يفعله في “رؤيات” من ضرب وتعذيب وتعمد أهانتها المستمرة.

انهمرت الدموع من عيون” رؤيات ” وكأنها فتحت صنبور المياه، أحمرت وجنتيها نزلت من أعلي سرير غرفة نومها ذات اللون الوردي والتي تزوجت بها منذ 23 عاما، و اتجهت نحو شباك الحجرة ونظرت إلي السماء .

كان الغروب يوضع نهار تلك الليلة الحزينة التي بكت فيها، أنسدل الضوء علي وجهها في مشهد دراماتيكي، وظلت تنادي يارب.. يارب.. يارب.. منتقلة من مكان إلي مكان أخر في الحجرة كالمرأة التي أصابها الجنون .

تعمدت كثيرا أن تسمعه صوتها، ولم يستطيع “محسن” أن يتجاهلها، فأنتهز فرصة خروج أبنه الأكبر أحمد وهشم باب حجرة النوم بشاكوش أتي بها من كراكيب سندرة المطبخ، وظل يصيح ويصرخ سوف أقتلك، سوف أذبحك وأشرب من دمك يا عاهرة، يا فاجرة، ولم تذهبي حفل الزفاف إلا علي جثتي يا “رؤيات”.

فجأة أصيب طفلهم بحالة من الرعب والفزع من صراخهما ومشاحناتهما، ظل يصرخ ويبكي يصرخ ويبكي حتى فقد الطفل الوعي تماما، لحظتها سكت صراخ الاثنان وهرعوا ينجدون الطفل.

حمله “محسن” أعلى الأريكة الحمراء أسفل شرفة المنزل، وهرعت “رؤيات” وأتت بكوب ماء بالسكر لإفاقته، وتناول “مصطفى” الشراب شرفة تلو الأخرى حتى أسترد وعيه .

رؤيات: أحمدك يارب وأشكر فضلك، أنقذت أبني من الموت

في تلك اللحظة الصعبة ظهرت علامات العبث والحيرة على وجه “محسن” وكأن رحمة الله عز وجل نزلت علي رأسه لتضع في قلبه الرحمة نحو “رؤيات” وولدها.

وخرج مسرعا من باب المنزل، وأغلقه بحدة، كانت “رؤيات” في تلك اللحظات تهمهم قائلة: يارب لم تعد مرة أخرى حتى ارتاح منك يا أهوج

قامت “رؤيات” باحتضان نجلها الصغير بشدة وضمت زراعيها عليه، وربتت على كتفه

وقالت له: لا تخاف يا روحي، يا ضناي، لن أتركك تضيع من بين يداي، ثم قبلته أعلى جبهته واستلقى بين أحضانها ليتمتع بحضنها الحنون الدافئ.

وضعت”رؤيات” ولدها أعلي سرير غرفة النوم، وذهبت وأعادت النظام لشقتها مرة أخرى، ثم ذهبت إلى المطبخ وأعدت كوب من الشاي بالنعناع، وقطعة كيك صنعتها بأيديها، ثم عادت إلى غرفة النوم واستلقت على السرير بجوار صغيرها.

تناولت “رؤيات” الريموت الكنترول الخاص بالتليفزيون وقامت بتشغيله وظلت تقلب في القنوات حتى استقرت على قناة روتانا، التي كانت تعرض في ذلك الوقت فيلم ” المرأة والساطور” للفنانة نبيلة عبيد، وظلت تشاهد الفيلم وترشف رشفة من كوب الشاي مع قطعة كيك صغيرة.

اقرأ أيضًا:

الحلقة 2| جريمة “المتوحشة”.. من المجموعة القصصية “الدافع” لنشوى فاروق

الحلقة الأخيرة| جريمة “المتوحشة”.. من المجموعة القصصية “الدافع” لنشوى فاروق

انتظرونا في الحلقة الثانية مع قصة جريمة “المتوحشة” من مجموعة قصصية الدافع الصادرة عن دار أكتب للنشر جميع الحقوق محفوظة والتي تحمل رقم إيداع 3152\ لسنة 2013.

الوسوم