لم يكن هذا يوماً عادياً بالنسبة لي، إنه يوم مباراة مصر مع الجزائر في تصفيات كأس العالم 2010، كنت لا أزال وقتها طالبة في المدرسة الثانوية حينما تردد هذا الحلم على ذهني ومسامعى لأقول معه.. ولما لا ؟ ..(إن شاء الله نوصل كأس العالم)، كان معها الأمل كبير، وكيف لا وهم الجيل الذهبي الذي عشنا معه أكثر من 5 سنوات كاملة من الفرحة والانتصارات، لم تكن المباريات معهم مجرد مباراة في كرة القدم، بل كانت ملحمة في حب مصر، عاد معها الإحساس بالإنتماء إلى هذه البلد والفخر بحب هذا الوطن .

زاد الأمل وزاد معه الحلم، لم يكن ينقصنا مع هذا المنتخب، أو (جيل حسن شحاتة) سوى فقط الوصول لكأس العالم، أما الباقي فهم كانوا على قدره ويزيدون .

لن أنسى أبداً ذلك اليوم الذي سهرنا نغني بهم ولهم حينما حققنا نصرنا الكبير على إيطاليا حامل لقب كأس العالم _وقتها_ ، في مباراتنا معهم في بطولة كأس القارات في 2009، ولا حتى مباراتنا التي سبقتها مع البرازيل، البلد التي تتنفس كرة القدم، وفوزهم العسيرعلينا فى الثواني الأخيرة 4/3 بعد مباراة تاريخية.

بل وما كان قبلها كان أعظم، بطولة إفريقية تاريخية وسط جماهيرك، تحقق معها لقب كأس الأمم الإفريقية في 2006، كان بطلها بلا منازع السد العالي المنيع (عصام الحضرى)، الذي قدم مباراة نهائية تاريخية _كعادته معنا _ ، وأيضاً الساحر (محمد أبو تريكة) الذي أصبح فيما بعد نجم جيله بلا منازع، في بطولة كان يتخيلها الكثيرين مستحيلة، ولكنهم فعلوا هذا المستحيل، ليحققوا بعدها بطولتهم الثانية والسادسة في تاريخنا ، كأس الأمم الإفريقية غانا 2008، والتي كانت بحق (مزيكا) بلغة مشجعي كرة القدم، تألق واضح فيها لكل أبناء هذا الجيل بشكل لافت، وظهور للاعبين جدد لمع نجمها البراق على أرض ملاعب غانا .

محمد زيدان – أحمد فتحى – حسنى عبد ربه – هاني سعيد – وائل جمعة – عمرو زكى – أحمد حسن – احمد المحمدى – محمد حمص – محمود فتح الله ..وغيرهم الكثير كنا نشاهدهم ولم يكن ليذهب خيالنا أبعد من تقديم أداء جيد ومشرف لحامل اللقب، لكنهم تجاوزوا هذا الخيال وحصدوا معه البطولة .

كان لابد لنا مع كل هذه الطموحات الكبيرة لنجوم شباب من جيل هو الأعظم في تاريخ الكرة المصرية، أن نأمل أن يذهب بنا إلى أبعد من هذا، ويحقق الحلم الكبير وهو الصعود إلى أكبر محفل دولي في العالم لكرة القدم (المونديال) …وانتظرنا لنرى ماذا سيحدث.

كانت البداية على عكس المتوقع.. سقوط مدوي في الآداء.. تعادل في أول مباراة بالتصفيات مع زامبيا 1/1 في القاهرة، وخسارة أمام الجزائر بثلاثة أهداف على أرضها.. كانت صدمة كبيرة لنتائج لم نكن أبداً نتوقعها منهم.

لكن (منتخب الساجدين) لم يبقينا مصدومين كثيراً، واستعدوا للسفر إلى بطولة كأس القارات بجنوب إفريقيا، ويتركونا نعض أناملنا خوفاً على هيبة بطل إفريقيا التي باتت في خطر، والذي لن يصمد كثيراً أمام فطاحل الكرة بالعالم، وأخذ كلاً منا يحسب أعداد الكرات التي ستخترق شباك الحضري في مبارياتهم القادمة.. ولكن كانت المفاجأة.. نتائج مبهرة في البطولة، عادت معها نشوة الفرحة والإنتصارات التي انتظرناها طويلاً، وتذوقنا معها روعة إحساس اللعب مع الكبار في المحافل الدولية.

من كان يصدق أن هذا الفريق الذي تعثر في بداية مشواره مع فرق ليست بالطبع بنفس قدر ومكانة تاريخه الطويل، يفعل ما فعله ويحرج أكبر منتخبين بالعالم، من أي معدن خُلقتم، إنه المستحيل يتحقق أمامنا.

هذا يكفي، يجب أن نكون هناك يوماً ما، هكذا قالها (جيل المعلم حسن شحاتة) ، ليعودوا يكملوا المسيرة الطويلة التي سرنا معهم فيها لحظة بلحظة، نحسب الأيام والأسابيع لنصل إلى موعد المباراة القادمة في التصفيات _وقتها_ ، كنا نمشي مع مباراة تلو الأخرى، وكانوا في كل مرة يثبتوا أنهم (أدها) وسيصلوا، ومرت الأيام والشهور، ونحن على أحر من الجمر، ومع كل انتصار يزداد الأمل أكثر فأكثر، لنصل إلى المباراة الأخيرة مع الجزائر في القاهرة.

الأنفاس تتزايد.. القلق يكاد يقتلنا.. ماذا سنفعل؟ ماذا سيحل بنا اليوم، هل سيصل هؤلاء الشباب لكأس العالم؟ هل حقاً سننتصر في مباراة اليوم؟

أسئلة كثيرة ترددت في أذهاننا، حتى جاءت البداية في إستاد القاهرة الدولي، أو كما يطلقون عليه (إستاد الرعب ).

يطلق الحكم صافرته.. إنها البداية، وياله من سيناريو، حركة غير طبيعية في مدرجات مشجعي منتخب الجزائر، ولكن لا يهم، موقنون أننا سنفوز على أيه حال، نحتاج للفوز بثلاثة أهداف لنصل إلى كأس العالم..هل هذا الأمر صعب؟ وإن يكن.. سنصل إليه بلا شك.

صافرة الحكم.. مصر تحرز الهدف الأول لنا في المباراة بأقدام (عمرو زكي) ، لينفجر بعدها الإستاد فرحة بأول هدف في طريق المونديال، لأكثر من ساعة ونصف كانت قلوب المصريين وألسنتهم تدعي الله حتى يحقق حلمنا، حتى جاءت تلك اللحظة، وقبل 3 دقائق على نهاية المباراة، وبقدم (عماد متعب)، جاءت لحظة النصر، لم يرى أحداً منا ماذا كان يفعل كل من حوله، كنا جميعاً في حالة فرحة هيستيرية، نحاول معها تصديق ما حدث، وكأن الزمن قد توقف للحظات.. هل فزنا حقا؟ هل مازال الحلم قائماً؟

لم يستفد منتخبنا وقتها بقاعدة الهدف خارج الأرض، ولهذا لم يُحسب هدف (محمد أبو تريكة) في شباك الجزائر على أرضهم بهدفين كما هو المعتاد والمتعارف عليه في لوائح كرة القدم، ولا أدري حتى السبب في إلغاء هذا القرار وقتها، ولماذا لم يتحرك أحد للاعتراض على هذا القرار أنذاك؟ وربما من المفارقات أيضاً أن تستفيد الجزائر من نفس القاعدة التي تم إلغائها ويُحتسب لها الهدف بهدفين في تصفياتها التي تلت ذلك.

كانت مصر بهذه النتيجة تتعادل مع الجزائر في النقاط والأهداف، ولذلك احتكموا إلى لعب مباراة فاصلة بعدها ب 4 أيام وبالتحديد في 18 نوفمبر 2010 بالسودان في (أم درمان)، ليبدأ الفصل الأخير في هذه القصة الطويلة، فصل أعتقد أنه مازال مترسخاً في ذكرى الكثير منا حتى يومنا هذا، وربما لم ينساه ولن ينساه أحد من مشجعي المنتخب في هذا الوقت أو أحد من اللاعبين  أو مدربين الفريق من أبناء هذا الجيل.

لم يكن يوماً اعتيادياً منذ بدايته، كانت الاحتفالات في مصر مستمرة طوال الأربعة أيام، وكأننا قد تأهلنا بالفعل، كنا ننتظر فقط إعلان الفوز النهائي بالسودان، ووصولنا لكأس العالم ب(كيب تاون) في جنوب إفريقيا.

بدأت المباراة وسط حالة من الريبة مما يحدث في المدرجات لأشخاص ربما لم يأتوا للتشجيع فقط، ومع صافرة الحكم يبدأ اللعب، ويحرز معه المنتخب الجزائري هدفه القاتل في مرمى (عصام الحضرى)، لحظات صمت لاستيعاب تلك الصدمة، ولكنه هدف بالفعل رغم محاولات لاعبي منتخب مصر البائسة في تعويض هذا التقدم، لكن تنتهي المباراة لتفوز الجزائر وتصعد إلى مونديال كأس العالم ويضيع معها الحلم.

كان يوماً حزيناً على كل مصر، غابت الفرحة، الكل حزين، جميعهم صامتون غير مصدقين لما حدث، مر ذلك اليوم لكن بقيت ذكراه محفورة بداخل عقل وقلب كل فرد من أبناء جيلي.

لم أظن أنني سأهتم بعد ذلك بمتابعة مباريات كرة القدم كما في السابق، خاصة بعد رحيل (المعلم ) حسن شحاته عن المنتخب، واعتزال أغلب لاعبي المنتخب من الجيل الذهبي، فكل ما جاء بعده اعتقد وأنه كان إنعكاس لهذا اليوم الذي إنكسرنا فيه، وحتى مع فشل المنتخب في التأهل لنهائيات كأس العالم في البرازيل 2014، كان الأمر قد أصبح اعتيادياً بالنسبة لنا، فنحن حتى لم نستطع التأهل لأمم إفريقيا لثلاث دورات متتالية، حتى بعد فوزنا بأمم إفريقيا فى 2010، لكن بقى حلم التأهل للمونديال هو الحلم الأكبر بكل المقاييس، والذي لا ينافسه فيه أى شيء.

حتى جاء هذا اليوم الذي رأيت فيه أن هذا الجيل الذي لطالما رأيناه الأفضل، عاد بثوب جديد، بشباب صغير سناً وكبير في أحلامه، أبناء جيلي الذين حضروا لحظات الانكسارات المتكررة، عادوا، ليعود معهم كل حلم وكل أمل انتظرناه لسنوات حتى يستيقظ من جديد.

رأينا هذا فيهم مع أول بوادر النصر، في لحظة تأهلنا لكأس الأمم الإفريقية بعد غياب 6 سنوات، ولأول مرة من 2010 سنعود للعب تلك البطولة مع هؤلاء الشباب، لنسأل معهم.. من أين أتوا؟ وكيف استطاعوا أن يجعلونا نحلم من جديد، كان هذا واضحاً من خلال مشوارهم في التصفيات، وفي مبارياتهم في البطولة الإفريقية والتي كنا نشجع فيها هذا المنتخب ليس للفوز بالبطولة، ولكن حتى يعودوا من ذهبوا بعيداً، لتعود تلك الروح التي تجمعنا على قلب رجل واحد مرة أخرى وتعود معها أمجادنا السابقة، ولأول مرة نرى الجمهور حزين على خسارة اللقب ليس لأجل الكأس في حد ذاته ولكن على حزن هؤلاء اللاعبين، ونرى أيضاً حزن لاعبي المنتخب لأنهم لم يسعدوا هذا الجمهور، أي حالة صنعتموها أنتم؟

أي تألق يصنعه حالم قادم من بعيد بفرحة تغمر مصر كلها يُدعى (محمد صلاح )، وأي صلابة يظهرها أسطورة كل الأجيال (عصام الحضرى ) لتعود معه ذكريات أمم إفريقيا 2006 وكأنها كانت بالأمس فقط.

ما حدث في بطولة الجابون في 2017 كانت البداية فقط، بداية جيل جديد يسطر التاريخ، ورغم خسارة اللقب، وحزننا لبكاء (الحضري ونظرته للكأس قبل المباراة النهائية، وكأنه يلقي التحية عليها في شوق دام 6 سنوات كاملة، ويسترجع تلك اللحظات من جديد، إلا أن الجميع كان على يقين أن الأمر هذه المرة مختلف، وأننا سنصل لكأس العالم، ونمحي من أذهاننا تماماً ذكرى ( أم درمان ) وما سببته لنا.

كان هذا الأمل يزداد شيئاً فشيئاً حينما كنا نتابع إصرار اللاعبين على النجاح، وإصرار (السد العالي) على تحقيق حلم راوده منذ طفولته وآمن به أبناء جيله، ليصلوا له سوياً يوماً ما، وحينما كنا نرى نجاحات محمد صلاح ) في مشوار احترافه، وكيف أنه أصبح قدوة للشباب وهو فى هذا السن الصغير، وكيف كان تألق (محمد النني) في مبارياته في الدوري الإنجليزي، وجميع اللاعبين المحترفين وأيضاً المحليين.

كل هذا جعل الجمهور المصري يوقن أن اجتهاد هؤلاء اللاعبين لن يضيع هباءاً، وأن هذه الأحلام الكبيرة التي راودت تلك العيون الصغيرة لابد وأن تتحقق.

وقد كان.. والآن ونحن نعيش تلك اللحظات التي نشعر فيها بحلاوة النصر ووصولنا أخيراً لكأس العالم، ندرك أن ماحدث كان مقدراً له هذا، ربما ليأتي هذا اللاعب ويكون سبب في تلك الفرحة ليزيد من رصيد حبه لدى الجماهيرأكثر فأكثر، وربما لتكون رسالة للجميع أن من يسعى وراء حلمه سيصل بكل تأكيد، الآن نرى لاعبي الجيل الحالي يحققون حلم انتظرته كل الأجيال السابقة طوال ال 28 عاماً الماضية، ولنرى كلمة (الحضري) _آخر ممثلي أبناء جيله الذهبي في المنتخب مع أحمد فتحى والمحمدي وعبدالشافي_ يهدي فيها هذا التأهل لأبناء جيله الذين أنهوا مسيرتهم الكروية قبل بلوغ هذا اليوم.

الآن فقط نستطيع أن ننسى كل ما حدث في الماضي ونتجاوز تلك الذكرى المؤلمة، لأننا الآن في لحظات استثنائية تحقق فيها المستحيل .

الآن فقط نستطيع أن نقول: ودعا أم درمان