حربين أهليتين منذ 1989 حتى 2003، ثم عدة أمراض ضربت البلاد في 2014، مثل إيبولا وكورونا وانتشار جرائم العنف الجنسي وعاصمة هي الأفقر في العالم تقريبا، وبمعدل دخل فردي واحد دولار يوميا، كانت ليبيريا على موعد جديد مع التاريخ لاختيار رئيسا جديدا لها كان يوما أيقونة الشعب المحب لكرة القدم، جورج وايا أسطورة من أساطير كرة القدم الأفريقية أصبح هو الرئيس الجديد للشعب الليبيري.. فكيف كان طريق ليبيريا منذ النشأة حتى الآن؟!

التأسيس والنشأة

مع بداية ظهور تلك الحركات التقدمية المناهضة للعنصرية‏ في أمريكا وعلى سفينة إليزابيت الأمريكية، وصلت أول دفعة من العبيد الأمريكيين المحررين إلى تلك البقعة السمراء في جنوب غرب أفريقيا عام 1820، حيث كانت العبودية أمرا واقعا في أمريكا، واستطاعت تلك الحركات‏‏ في النهاية، تحرير جموع من العبيد السود من أصل إفريقي ونقلهم من أمريكا إلى سواحل المحيط الأطلسي، ومنذ وصول تلك الدفعات تباعا بدأت المناوشات بينهم وبين القبائل الإفريقية المحلية التي لم تستطع الصمود أمام أناس يحملون نفس الوجوه السوداء‏،‏ ولكن يتكلمون بلغة السيد الأبيض الأمريكي ويحملون قيمه وعاداته وديانته ويمتلكون سلاحه، وفي سنوات قليلة جدا قاموا بدحر إخوانهم من القبائل المحلية من مناطق الساحل إلى داخل البلاد‏‏ وتم تأسيس دولة ليبيريا في عام ‏1848، وعلى أنقاض وبيوت السكان المحليين تمت عملية الاستيطان الأمريكية الاقتصادية والخاصة بصناعة المطاط حتى وصل الأمر بهؤلاء المحررين الجدد أن يمارسوا العبودية من جديد على أنفسهم، فيسموا مدن بلادهم الجديدة كالمدن الأمريكية الشهيرة فستجد مدن‏ مثل:‏ ميريلاند ـ فرجينيا ـ جورجيا ـ بروفيدينس وغيرهم.

وحتي العاصمة الليبيرية مونروفيا،‏ فهي تحمل اسم الرئيس الأمريكي الخامس جيمس مونرو‏، ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل وصل أنهم اتخذوا لأنفسهم دستورا على غرار الدستور الأمريكي وعلما للبلاد بنفس ألوان العلم الأمريكي، ولكن بنجمة واحدة، وسموا عملتهم المحلية بالدولار الليبيري، وسرعان ما شكل هؤلاء المحررون الجدد نظاما أكثر عبودية مما لاقوه في أمريكا قديما ضد إخوانهم من السكان الأصليين وأصبحوا في طبقة مميزة عنهم، ونجحت أمريكا في استعمار بقعة أفريقية بأيدي سمراء، ظنت أنها قد تحررت .

حصلت ليبيريا علي استقلال شكلي، وتولي وليام توبمان ـ وهو ينتمي إلى الأقلية من الليبيريين الأمريكيين منصب الرئاسة في عام ‏1944،‏ فقد تبني نظاما عنصريا عانى بسببه أبناء الشعب من السكان الأصليين من قبائل‏‏ “كران والجيو والمانو‏”،‏ وهي القبائل الثلاث الرئيسية في ليبيريا‏‏، فحتى بداية الخمسينيات لم تكن الأغلبية من أبناء السكان الأصليين يتمتعون بحق المواطنة‏،‏ وهو ما عنى عدم تمتعهم بأية حقوق كانت في الدولة،‏ ثم وفاة توبمان أول رئيس بعد الاستقلال في عام‏1971،‏ وتولى نائبه وليام تولبرت الحكم وهو أيضا ينتمي لتلك الأقلية من الأمريكيين الليبيريين‏ حتى أتى الانقلاب الأول في ليبيريا علي يد “صامويل دو” الذي اقتحم بنفسه غرفة نوم الرئيس تولبرت لكي يقتله رميا بالرصاص وليتولى السلطة في أبريل عام‏ 1980،‏ كأول رئيس للبلاد ترجع أصوله إلي السكان الأصليين‏.‏

ولم يكن “دو” المنقذ للسكان المحليين الأصليين فقد مارس بدمويته غير المسبوقة قمعا أقوى بشدة ضد كل ليبيري، فأعدم كل سياسي من أعضاء حكومة الرئيس السابق “وليام تولبرت” ذوي الأصول الأمريكية، كما استبد بالأغلبية من السكان الأصليين‏.

حرب أهلية تزيد من دماء الأبرياء

مع تزايد المذابح، بدأت المعارضة في التحول للعمل المسلح‏ حيث خاضت حربا ضروسا ضد قوات “دو” المتعطشة للدماء‏، وازدادت حركات المقاومة ضراوة بعودة تشارلز تيلور من الولايات المتحدة‏‏ حيث كان يعيش ويعمل في مدينة “بوسطن” كحارس أمن، ثم عاد بعد أن قتلت قوات “دو” والده مع 700 آخرين من المعارضة تحصنوا بالكنيسة اللوثرية في قلب العاصمة مونروفيا في عام 1990، مما ضاعف ذلك من جهود التخلص من “دو” برعاية أمريكية، وجاءت النهاية سريعة ودموية‏،‏ حيث تم تقطيع أوصال الديكتاتور “دو”  إربا أمام تشارلز تيلور شخصيا‏ وعادت سدة الحكم إلى الأقلية من الليبيريين الأمريكيين الذين ينتمي “تيلور” لهم ولا تشكل أكثر من 5 % من سكان البلد‏،‏ ويبدأ من جديد الصراع بين أقلية تتوهم أنها تحافظ على مكتسبات طبقية اجتماعية وسياسية، وأغلبية تتوهم بأن واحدا من قادة فصائل التمرد يمكن أن ينصفهم بعد سنوات من التهميش والظلم .

نظم تايلور انتخابات صورية فاز بها في عام‏ 1997،‏ للحصول علي اعتراف دولي بنظامه‏، ولكن فساده وتجارته المشبوهة في الألماس مع متمردي سيراليون جعلت الدول المجاورة تسعى للتخلص منه وشحنت ضده الحركات المعارضة داخل البلاد بحمل السلاح، وبدأت الحرب الأهلية في 1999، واستمرت على جبهات عدة حول العاصمة مونروفيا حتى سقطت العاصمة في أيدي المعارضة في العام 2003، فاستقال “تايلور” واتجه إلى منفاه في نيجيريا بعد أن شهدت بلاده أعنف الحروب الأهلية في أفريقيا والتي راح ضحيتها أكثر من ربع مليون شخص وهرب 80 ألف آخرون إلى بلادا مجاورة، واستلمت البلاد، الأمم المتحدة في محاولة لإعادة ترتيب  المشهد من جديد.

المرأة الحديدية

انتخبت “إيلين جونسون سيرليف” رئيسة للبلاد في العام 2005، بانتخابات شهد الجميع بنزاهتها، لتصبح أول سيدة منتخبة ديمقراطيا، رئيسا لبلد في قارة أفريقيا، وحاولت بقوة في تهدئة أجواء التمرد داخل البلاد وكبح جماح الحرب الأهلية، وشهدت ليبيريا في هذه الفترة تحسنا نسبيا على مستوى الخدمات والبنية التحتية .

واجهت “إيلين جونسون سيرليف” الاعتقال قبل أن تصبح رئيسة للبلاد، فقادت حركات نسوية تحررية كسبت من خلالها أرضية شعبية وحصلت في العام 2011، على جائزة نوبل للسلام بمشاركة مواطنتها “ليما غبويو”،  والناشطة اليمنية توكل كرمان، لما قدمته في اطفاء نار الحرب الأهلية في بلادها، مما أدى إلى إعادة انتخابها، وفي السنوات القليلة الماضية، استطاعت مواجهة مرض “إيبولا” الذي قد تفشى في ليبريا عام 2014، بمساعدة من منظمات دولية عديدة.

جورج وايا والطريق إلى رئاسة البلاد

لم يتوقع الطفل الذي ولد في الفقر والذل أن يصل للعالمية عندما يكبر، فقد مات والده في الحرب الأهلية الليبيرية ونجا هو بأعجوبة، ابتسم الحظ لهذا الشاب الليبيري الفقير عندما رآه المدرب الفرنسي أرسن فينجر في فريق “تونيري ياوندي” الكاميروني، وأصر على ضمه إلى صفوف نادى “موناكو الفرنسي” قبل أن ينتقل إلى عملاق إيطاليا، نادي “أي سي ميلان”، فيصبح في عام 1995، أفضل لاعب في العالم ويحصل على جائزة البالون دور وأفضل لاعب في أفريقيا ثلاث مرات وينتقل إلى عدة أندية أوروبية ثم يختم مسيرته الكروية في عام 2002، وينتقل إلى عالم السياسة ويبدأ دورا جديدا في الأعمال المجتمعية بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة لرعاية الطفولة “يونيسيف” في القارة السمراء.

ثم يقرر لأول مرة خوض الانتخابات الرئاسية في 2005،  ضد “جونسون سيرليف” ويخسر الرهان فيعاود المحاولة ضدها مرة أخرى في 2011، ويفشل أيضا، ولكنه نجح بعد ذلك من الفوز بمقعد في مجلس الشيوخ ممثلا عن عاصمة بلاده مونروفيا عام 2014.

ثم يخوض الانتخابات الرئاسية عام 2017، وسط توقعات بهزيمته ولكنه يفوز أخيرا ويصبح لاعب الكرة الذي أصبح رئيسا للبلاد، والمتوقع أن تواجهه ملفات مهمة على مستوى التعليم والصحة والبنية التحتية ومشاكل كبرى مثل محاربة الفقر والعنف الجسدي ضد النساء .