الزواج سنة من سنن الحياة من يوم بدء الخلق وإلى أن تقوم الساعة، بقول الله تعالى-{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً}. فالأهم من عقد الزواج هو الاتفاق عليه نفسه، بعد موافقة الأهل ورضائهم عليه، والشرط الأساسي لإتمامه هو قبول الطرفين الأساسيين فيه، ولن يتم الزواج إلا برضاء جميع الأطراف وبالإشهار، ويتمثل ذلك بإقامة العُرس وبدعوة أهل كلاً من الطرفين ليتم حفل الزواج لبداية حياة سعيدة .

ولكن بالمُدن الريفية لن يكون سعيداً ولن يتم بالرضاء، عندما تفاجئ بأنك مدعوا على حفل زفاف فتاة لم تبلغ من العمر الـ16 عام، على رجل أكبر منها بـ 10 أعوام على الأقل، وبرغم صدور القانون الذي ينُص على عدم زواج الفتيات تحت سن الـ18 عام ولكن بخلق بعض الحيل، لم ينجح هذا البند في إنقاذ العشرات من هذه الكارثة.

فمن المشاكل التي تواجه المأذون عند توثيق العقد، العروس التي لم تتعد السن القانوني للزواج، فيمتنع عن كتابة العقد وتوثيقه في المحكمة، فيلجأ للتحايل على الأهل، وليس على القانون، بكتابه عقد زواج من ثلاث نسخ لكلاً من الطرفين، والثالث أحد الشهود أو الموثوق بهم، وبالإضافة أيضا لكتابه “شيك على بياض”.

فيصبح حقها وعمرها وسن الطفولة والمراهقة وحقها في التعلم وأيضا الحرية في اختيار شريك حياتها المناسب لها من وجهة نظرها، بورقة فارغة تسمى “شيك على بياض” لضمان حقها عند الطلاق أو عند الانفصال قبل بلوغ السن القانونية.

يلجأ رب الأسرة لبعض الحيل للتخلص من الأسباب والظروف المادية، وبسبب العادات والتقاليد بالمقولات الشهيرة المميتة “زواج البنت سترة _ قبل فوات الأوان وتعنس _ عشان تكبر وعيالها يكبروا معاها”، والخوف عليها من الانحراف الأخلاقي والفضائح التي من المحتمل أن تجلبها لأهلها، فالحل وبمنتهى البساطة عقد عرفي وانتهى الأمر.

مؤلم ذلك المشهد، الذي ترى فيه دموع طفله بالفستان الأبيض، والكل من حولها فرحون لها، ولكن هي الوحيدة التي تحمل هم الأيام المقبلة عليها، والليلة التي لم تعرف عنها شيء، ولم تكن باختيارها، هي طفله تحلم بمستقبل أفضل، وبتعليم عال، وباختيار فارس أحلامها دون ضغط، مؤلم ذلك القرار الذي في الغالب ينتهي به الأمر إلى الطلاق.

من الذي أعطاه الحق في حرمانها من متعة الألعاب، وقتل البراءة فيها لتتحول من طفلة تلعب وتلهو وتدرس في يوم وليلة، لسيدة مسؤولة عن زوج وأطفال برغبتها أو غصب عنها، منهن من تقبلن الوضع وتعايشن معه، ومنهن من رفضن، وبعضهن قاموا بالهرب من ذلك الظلم، الذي نتج عنه الحالة التي عاشت بها من خوف وتوجس وقلق مما دفعها ذلك للهرب .

لعلك تدرك رب الأسرة، أن التعلم سيوسع أفاقها ويضيف لها الكثير، هو القادر على حمايتها من العالم كله بما فيه الذي تخشاه، وظيفتك في تلك المرحلة هو تشكيل شخصيه ابنتك وحمايتها من كل سوء قد يضر بها، هي مهمة البيت والعائلة وليست مهمة الزوج .

فعندما تقارن نفسها بأصدقائها، ستشعر بالنقص، لأنها لم تنضج بعد، حتى وإن رأيت جسدها قد نضح وبلغ، وإن هذا العقد سوف يكون أشد ضرراً على ابنتك نفسياً وعاطفيا، بالإضافة إلى الأضرار الجسدية التي تتعرض لها ليله زفافها، وأثناء حملها إلى يوم الولادة، وفي الأغلب قد تودي بحياتها، فضلاً عن صعوبة إدراكها لمعنى تكوين أسرة .

وفي حالة طلاقها التي في الغالب تحدث في أول عامين، لعدم وجود تفاهم بينهم، وإنها لم تبلغ السن، فلن يتم اثبات هذا الزواج، والكارثة الأكبر عند وجود طفل، سيكون الضحية الثانية الذي سيطوله ظلمك أيضا، بعدم القدرة على إثباته كطفل شرعي لهما، والذي يلجأ البعض لتسميته على اسم الجد “والد الأم” فيصبح شقيقها وتعود لك مره ثانية.

فهي في هذا العمر غير مؤهلة للزواج، فالأمر يتطلب منها بناء أسرة وتحمل المسؤولية وأعباء الحياة، وهي غير مؤهلة لتربية أطفالها كونها طفلة، وغير قادرة على تنشئتهم وتربيتهم تربيه سوية سليمة، فليس بعقلها وبوسعها تحمل تجربة الزواج، مما يؤثر عليها وعلى طفلها .

فالقضية هنا منقسمة لقسمين، قسم يشجع على هذا القرار، بينما الجزء الثاني يرفض هذا ويرى أنهم يجبرون الفتاة على الزواج ويسلبن منهن الحرية، بينما تطالب العديد من جمعيات حقوق المرأة والطفل بمنع هذا الزواج، مطالبين بوضع قوانين صارمة للحد من هذه الظاهرة لأن أغلب القاصرات لم يكتمل نموهم.

وفي ديننا، حثنا رسولنا صلى الله عليه وسلم، في حديثة بقوله الكريم: (لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ إذْنُهَا؟ قَالَ:  إَنْ تَسْكُت} فالأخذ برأيها قبل الموافقة على الزواج هو من أهم شروط الزواج عند طلب يدها، وهذا يتطلب عندما تكون بالغة راشدة قادرة على اتخاذ قراراتها المصيرية في حياتها المستقبلية.