احتفلت عدد من الدول خلال اليومين الماضيين بيوم البحرية العالمي، ولمن لا يعرف فهذا اليوم هو اليوم الذي أطلقته المنظمة البحرية الدولية IMO التابعة للأمم المتحدة رسميًا منذ عام 1978م، ويتم الاحتفال به في الثامن والعشرين من سبتمبر من كل عام؛ من أجل إبراز أهمية النقل البحري والأنشطة البحرية في جميع دول العالم. وفي رأيي فإن هذا اليوم يُعتبر يومًا مميزًا بالنسبة لمصر على الوجه الخصوص؛ وذلك لاقترابه من الاحتفال بانتصار حرب أكتوبر المجيدة، والتي سوف نُحيي ذكراها الأربعة والأربعون، حيث كان للبحرية المصرية دورًا بارزًا بها.. ولن يُنسى على مر الزمان.

“البحرية المصرية” هذا الكيان العظيم الذي تمتد جذوره إلى عصر الأسرة التاسعة عشرة الفرعونية التي ظهر خلالها دور رجال الأسطول في المعارك البحرية التي دارت خلال هذه الحقبة من التاريخ. كما أشارت النصوص أيضًا إلى النشاط البحري المصري في عصر الدولة الوسطى وزيادة عدد سفن الأسطول التي كانت تعرف طريقها إلى سوريا وفلسطين منذ أقدم العصور، مما يعني أن مصر كانت صاحبة السبق في ميدان بناء السفن وبناء ترسانة بحرية.

وخلال الفترة التي أعقبت الفتح العربي لمصر برز دور البحرية المصرية، خاصة في عصر الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه حين اشترك الأسطول المصري في غزو جزيرة قبرص عام 28هـ – 648م. ومع نهاية الدولة الفاطمية عام 567هـ ظهر صلاح الدين الأيوبي الذي اهتم بالأسطول البحري اهتمامًا كبيرًا من أجل سياسته الرامية إلى جمع المنطقة تحت قيادته تمهيدًا لقتال الصليبيين.

وعندما تولى محمد علي باشا حكم مصر عام 1805م لم تكن السواحل المصرية الشمالية تخضع لحكمه حتى جاءت حملة فريزر على مصر عام 1807م، فبعد توقيع اتفاقية الجلاء تسلّم محمد علي من قائد الأسطول البريطاني قلاع الإسكندرية وأصبح يسيطر على مصر كلها بما فيها الشواطئ الشمالية، وبالتالي بدأ اهتمامه بالبحر لتدعيم سلطانه على مصر خاصة بعد القضاء على الثورة الوهابية عام 1818م.

ومع مجيء الاحتلال البريطاني لمصر عام 1882م انتهى مصير البحرية المصرية نهائيًا وأطيح بأسطول مصر وحُرمت البلاد من بحريتها طوال مدة الاستعمار، إلى أن بُعثت من جديد في أعقاب الحرب العالمية الثانية عام 1946م، حين تمكنت الحكومة المصرية من إصدار قرار بإنشاء بحرية مصرية تحت اسم (السلاح البحري) والتي ألحقت بوزارة الدفاع الوطني.

أعقب ذلك خوض البحرية المصرية للعديد من الحروب والمعارك التي أظهرت خلالها بطولات كبيرة مثل دورها أثناء حرب 1948 لحماية الأراضي الفلسطينية، واشتراكها في المعارك البحرية أثناء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م، كذلك الملاحم البطولية التي قامت بها أثناء حرب الاستنزاف عام 1967م والتي انتهت بإغراق المدمرة إيلات في 21 أكتوبر من نفس العام.

ثم جاءت حرب أكتوبر المجيدة عام 1973م، والتي لعبت فيها البحرية المصرية دورًا محوريًا عندما قامت بمساندة أعمال القوات البرية عن طريق القصف للأهداف الساحلية وعمليات الضفادع البشرية وتقديم المساندات البحرية، كذلك إغلاق الطريق البحري من باب المندب لمنع الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر وإغلاق ميناء إيلات؛ من أجل عرقلة خطوات المواصلات البحرية للعدو ومنع مرور السفن الإسرائيلية والسفن التي ترفع العلم الإسرائيلي والسفن المتجهة إلى إسرائيل، كما منعت إمداد العدو بأية سلعة أو مواد استراتيجية يستفيد منها في المجهود الحربي. هذا بالإضافة إلى دورها في حماية حركة الملاحة المصرية وحماية الموانئ والشواطئ المصرية ضد العمليات البحرية الإسرائيلية.

من هنا نجد أنه برغم الصعود والهبوط والنكبات والانتصارات التي مرت بها البحرية المصرية على مدار تاريخها ولكنها ظلت صامدة تسطر تاريخ طويل من الشجاعة والبطولة حتى يومنا هذا … وستظل هي الحامي لموانيء مصر وسواحلها ومياها الإقليمية ومنشآتها الحيوية … فتحية إعزاز وتقدير للبحرية المصرية.