تمتد جذور العلاقات التاريخية بين مصر وإيطاليا إلى العصور الوسطى، حين كانت إيطاليا مقسمة إلى عدة دويلات أو جمهوريات بحرية، ثم تطورت العلاقات مع دخول مصر نطاق الدولة الرومانية، وظلت مصر جزءًا من الإمبراطورية الرومانية حتى الفتح الإسلامي سنة 20 هـ، واستمر التفاعل الثقافي بين البلدين بعد الفتح الإسلامي، فخلال عصر النهضة كانت المدن الايطالية هي المعابر التي انتقل من خلالها العلم العربي إلى أوروبا.

وقد تنامت هذه العلاقات، وتشعبت إلى عدة مجالات غير التجارة، مع بداية عصر محمد علي باشا، أي في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر الميلادي، حين أرسل محمد علي بعثات تعليمية إلى إيطاليا لتعلم فن الطباعة، كما تم الاستعانة في عهده بالخبراء الإيطاليين للمعاونة في بناء دولة حديثة في مصر، وذلك في مجالات البحث عن الآثار والمعادن، بل وفي الدخول إلى السودان، وتصميم مدينة الخرطوم، ورسم أول خريطة مسح لدلتا النيل، كما صمم الإيطاليون مبنى الأوبرا الملكية بناءً على طلب الخديوي إسماعيل، أثناء الاحتفال بافتتاح قناة السويس.

وقام أيضًا أحد المصممين الإيطاليين وهو بييترو آفوسكانى عام 1891م ببناء كورنيش الإسكندرية، كذلك قامت شركة بناء إيطالية “جاروزو زافارانى” في عام 1901م ببناء المتحف المصري بالقاهرة.

ومن هنا نجد أن تاريخ العلاقات بين البلدين، والممتد عبر سنوات طويلة، كان أقوى بكثير من استمرار التوتر الذي حدث بينهما مطلع عام 2016؛ بسبب أزمة مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجينى بالقاهرة، حيث عادت العلاقات مرة أخرى مع إعلان روما أخيرًا عودة سفيرها “جيامباولو كانتيني” إلى القاهرة.

وبالطبع يكون للفن دومًا دورًا مهمًا ومحوريًا في ترسيخ التواصل الثقافي بين الشعوب، وهذا بالفعل ما أكد عليه عالم الآثار المصري الدكتور زاهي حواس، أثناء الاحتفالية التي أقامتها مكتبة الإسكندرية يوم الأحد الماضي، لتوقيع المسرحية الأوبرالية الإيطالية عن مصر الفرعونية “اللوتس والبردي” للمؤلف الإيطالي الشهير “فرانتشيسكو سانتوكونو”، وقام بتقديمها الدكتور زاهي حواس، والذي أشار إلى أن هذه المسرحية تمثل خط أدبي جديد يمزج بين الكتابة اليونانية القديمة والهوية المصرية القديمة، حيث تعبر عن فترة بالغة الأهمية في تاريخ مصر.

فهذه الأوبرا تتكون من ثلاثة أجزاء، تبرز خلالها الملحمة العسكرية المصرية، وما لها من دور كبير ومهم في القضاء على الهكسوس الذين حكموا مصر منذ عصر الأسرة الخامسة عشر إلى عصر الأسرة السابعة عشر في مصر القديمة، حين كانت مصر مقسمة إلى جُزئين؛ الجزء الشمالي الذي كان مُحتل من قبل الغزاة الهكسوس، والجزء الجنوبي الذي كان يحكمه ملوك طيبة، والذين قادوا حروب التحرير لاستعادة الجزء الشمالي لمصر بقيادة الملك سقنن رع، ونجح ابنه الملك أحمس في قيادة الفصل الأخير من قصة الكفاح ضد الهكسوس، مؤسسًا الأسرة الثامنة عشر والدولة الحديثة وعصر الإمبراطورية.

كما أعلن حواس، أثناء الاحتفالية، أنه بصدد التعاون مع المؤلف فرانتشيسكو لإعداد أوبرا “توت عنخ آمون”، ليتم عرضها في 4 نوفمبر عام 2022، والذي يوافق ذكرى مرور 100 عام على الكشف عن مقبرة توت عنخ آمون، حيث اقترح إقامة احتفاليات دولية بهذه المناسبة، وأن تكون مكتبة الإسكندرية جزءًا منها باعتبارها مركزًا للتميز في إنتاج ونشر المعرفة ومكانًا للتفاعل بين الشعوب والحضارات.

وهذا يؤكد على الرغبة الشديدة من الشعب الإيطالي لمعرفة تاريخ مصر القديمة ومدى عمق العلاقات التاريخية بين الشعبين المصري والإيطالي، فلاشك أن الفن سيظل دومًا من أهم العوامل التي تساعد على ترسيخ وتوطيد العلاقات بين الشعوب والبلدان.