حكاوي الصيادين| الرحلة من البحر للحلقة.. ”السرحة لزوم الشقى”

حكاوي الصيادين| الرحلة من البحر للحلقة.. ”السرحة لزوم الشقى”

للبحر خبايا وأسرار لا يعلمها سوى العاملين فيه، فهو يحمل في أعماقه عالم آخر وعلى شواطئه مصطلحات، قصص وروايات، مشكلات وضحكات يعيشها أصحابها يوميًا، وتعد حلقة السمك أولى حلقاتها.

حسام فلاح – مهندس استزراع سمكي وأحياء مائية، يعلم العديد من خبايا البحر والصيادين، وإحدى حلقات”حكايا البحر” هي “حلقة السمك” التي يعلم عنها الجميع بأنها سوق لتجارة الأسماك بمنطقة بحري التابعة لحي الجمرك في الإسكندرية، ويروي حسام عنها أنها مقر لتداول الأسماك بيعًا وشراءً بنظام الجملة، وتخضع تلك العملية لشروط وأعراف تم الاتفاق عليها بشكل ضمني غير مصرح به بين الصيادين والتجار أو بين التجار وبائعي التجزئة.

الجانب الأثري:
ويضيف فلاح أن حلقة السمك بالأنفوشي هي واحدة من أشهر حلقات الأسماك في مصر ويمكن “أقدمهم” وأنشئ مبنى الحلقة سنة 1834م، والذي وصفه بأنه شديد الجمال، فهو مسجل كأثر في محافظة الإسكندرية، ولكنه يعاني من الإهمال الشديد، لدرجة أنه تهالك إلى حد كبير جدًا.

وتابع:” كان زمان أيام الاحتلال الانجليزي، الانجليز هم المشرفين على حلقة السمك كمحتلين، وعشان يضمنوا توريد الأسماك لمعسكراتهم القريبة”.

مجموعات الصيادين:

يقسم الصيادون أنفسهم إلى مجموعات، كل مجموعة منها توزع أسماكها التي اصطادوها بأنفسهم على حلقة معينة، ولا يسمح لهم ببيعها خارج الحلقة المخصصة لكل منهم، وذلك نظرًا لارتباطهم بديون للمعلم أو “صاحب الحلقة” الذي يحصل منهم على شيكات موقعة بأيديهم، فإذا رغب أي منهم في بيع بضاعته لدى تاجر آخر، وجب أن يكون التاجر الذي يتبعه على علم بذلك، ويشتري الثاني من الأول تلك الشيكات، أو يسدد الصياد قيمة الدين كامل.

ويقول الفلاح أن الحلقة تعد سوق مجمع وتضم مجموعة من الحلقات، لكل منها تاجر “معلم” هو مالك لها، ويقوم أو أي من مساعديه ببيع السمك للجمهور، ولكل منهم أيضًا طاولات للأسماك تتميز بألوان مختلفة عن غيرها من طاولات منافسيه من تجار الحلقة، فضلاً عن ترتيبها من قبل الباعة بشكل منظم وجميل عقب انتهاء عملية البيع -على حد وصفه- وتوزع فارغة على الصيادين ليقومون بملئها بالأسماك، والسبب في اختلاف الألوان هو التيسير على التجار للتعرف على طاولاتهم دون اختلاطها بغيرها من الطاولات التابعة للتجار الآخرين.

عملية البيع:
أما عن كيفية البيع، فيقول فلاح إنه يتم عن طريق المزاد العلني، بالترتيب وبأسبقية حضور المراكب، ويتم البيع بالترتيب مركب تلو الآخر حتى ينتهي من بضائعه، ويحصل المعلم على عمولة من كل مركب نظير البيع، وتكون نسبة مئوية محددة من سعر بيع الأسماك، وتزيد في حال كان المركب مدين لصاحب الحلقة، ويكون ذلك الدين نتيجة استدانة أصحاب المراكب من المعلمين لإصلاح مراكبهم أو تجديد الشباك أو غيرها من مستلزمات الصيد.

الزبائن:

ويضيف فلاح أن الزبائن الأساسيين في الحلقة هم تجار التجزئة، الذين يقومون بشراء الأسماك بالجملة، ثم بيعها في الأسواق والمناطق المختلفة للمستهلكين مباشرة، ويبدأ البيع عقب صلاة الفجر وحتى التاسعة صباحًا، يتوجه بعدها مباشرة الصيادين إلى التجار للحصول على نسبتهم من سعر السمك المباع، أو “يصفوا الكشف” بحسب اللغة الدارجة بينهم، ويعني ذلك أن يحصلوا على صافي سعر السمك بعد استقطاع عمولة الحلقة، وغيرها من الخصومات، كقسط الدين، ثم يشتري صاحب المركب مستلزمات رحلة الصيد الجديدة “السرحة”.

ويوضح فلاح، أن “السرحة” هي رحلة الصيد والتي يستعد لها الصياد بشراء الطعام والشراب والمياه والسجائر التي يستهلكها خلال رحلته، فضلاً عن الجاز وزيت الموتور “المكنة” وخيوط وحبال لإصلاح الشباك، وفي لغة الصيد تسمى تلك العملية “تموين المركب” وبذلك يكون المركب جاهز لرحلة صيد جديدة.

الوسوم