هنا مشرحة كوم الدكة.. دموع وأشلاء.. وأم تصرخ: “عاوزة بناتي”

هنا مشرحة كوم الدكة.. دموع وأشلاء.. وأم تصرخ: “عاوزة بناتي”

شقيقان تركا أسرتهما ثلاثة أيام لحضور حفل زفاف بمحافظة كفر الشيخ ثم العودة ليشهدوا سبوع ميلاد طفل جديد في العائلة، ولكن الفرحتان تخللهما الموت، ففي اليوم نفسه فقد الأبوين أطفالهما جميعًا وزوجة أحدهم وشقيقها وباتا في صراخ وعويل.

سعيد والسيد، شقيقان فقدا قرة أعينهم في نفس الحادث المروع الذي اصطدم فيه قطاران ببعضهما البعض أمس الجمعة، 7 أفراد من أسرة واحدة بينهم 5 أطفال ارتقوا إلى بارئهم قبل ساعات من بدء احتفال العائلة بمرور 7 أيام على ميلاد ابن خالهم، وبعد شهر واحد من ذكرى إنشاء أول خط سكة حديد في مصر 12 يوليو 1851، وخلف بوابة مشرحة كوم الدكة بالإسكندرية كانت ترقد أشلاء الأسرة وغيرها من الأسر المكلومة.

مشهد مأساوي داخل مشرحة كوم الدكة:
ظلام يعم ساحة مشرحة كوم الدكة بوسط الإسكندرية، والعشرات يتكدسون بالداخل، سيارات إسعاف وشرطة ونساء يتشحن بالسواد تجلسن على الأرصفة منهكة من الحزن والبكاء، ورجال لم يحتملون موت أعز من لديهم يبكون أبنائهم ونسائهم يجرون أقدامهم كراهية لإنهاء الأوراق المطلوبة لدفن ذويهم، وأخريات يعضون الأنامل ندمًا على معاملة أطفالهم بشدة يومًا ما وهن لا يدرين أنهم سيودعونهم في مقتبل أعمارهم بسبب الإهمال، بعد قليل تدخل سيدة ثلاثينية مستندة على شقيقها وهي تصرخ “انا عايزة أبويا، هاتوا لي أبويا” وهناك العديد من المشاهد المأساوية رصدها “اسكندراني”.

صراخ الأم الثكلى:
على أحد الأرصفة تجلس الأم وحولها عدد من النساء يحاولون مواساتها بعد أن فقدت طفلتيها، دنيا – 14 عام، وبسملة – 11 عام، داخل القطار أثناء عودتهما من فرح أحد الأقارب في كفر الشيخ برفقة عمهم وزوجته وأطفاله الثلاثة، لوجي – 4 سنوات، وشمس “جودي” – 6 سنوات، وياسين لم يكمل عامه الرابع، وشقيق زوجته، جميعهم لقوا حتفهم في الحادث، فجأة الأم الثكلى تصرخ: “أنا عيالي فين؟ عيالي فين؟ شوفتي يا أم هنا ربنا أخذ مني الاثنين، عروستي واللي كانت عايزة تطلع دكتورة”.

وتابعت الأم: “بنتين يا اختي يروحوا مني، طيب والنبي اعيش من غيرهم ازاي” وتسدي بنصائحها لمن يحطن بها بعدم التعامل بشدة مع أطفالهم كي لا يذوقوا مرارة الندم حال فقدانهم، هعيش ازاي من غيرهم، بسملة تبكي من يومين وتقول لي يا ماما انت وحشتيني، أنا مش هسافر واسيبك تاني يا ماما” وترد عليها مازحة: “مش لاقية حد اضرب فيه يا بسملة”، بينما تظل الأخيرة تضحك.
أراد الأب أن يحقق السعادة لأبنائه، فكان حريصًا على أن يجهزها منذ طفولتها، فاشترى لها بعض متطلبات الزواج، والاحتفاظ به إلى حين زواجها، بحسب الأم.

بسملة كانت تتطلع إلى الالتحاق بكلية الطب لعلاج المصابين ودنيا تطمح في نصرة المظلومين بدخول كلية الحقوق.

دعاء شعبان، هي جارة بسملة ودنيا في السكن، تبكي بشدة لى فراقهما وهي تودعهن داخل المشرحة، وتقول انهما حياتها وتعد نفسها بمثابة شقيقتهما الكبرى، فكانت بسملة تشكو لها دومًا من سوء معاملة زملائها لها في المدرسة، وكانت هي تعلم طموحات الطفلتين، فبسملة كانت تطمح في الالتحاق بكلية الطب لإنقاذ المرضى والمصابين، ودنيا طبيب أو محامي لجلب الحقوق المهدرة، مضيفة أن معلميها في المدرسة حضروا إلى المشرحة أيضًا لتوديعها، فكانت طفلة محبوبة لدى الجميع، وعلى الرغم من أنها ذهبت لبارئها الذي هو أحن عليها من الجميع ولكن الفراق قاسٍ، وفقًا لها.

كانت الأم تعد وجبة الغداء من صباح الأمس باكرًا، كي تستقبل طفلتيها بوجبة دسمة تجعلهما يقويان على استكمال اليوم وحضور “سبوع” ابن خالهم، وعندما سألت دعاء الوالدة عن موعد حضورهما لكونها اشتاقت إليهما، ردت الأم: “جايين في السكة” إلا أن السكة الحديدية أبت أن تعودا والروح تسكنهما.

من المسؤول؟ ومتى الحساب؟
وتسائلت دعاء: “حق كل اللي ماتوا هيروح هدر؟ مش هيخلوا بالهم؟ حرام احنا بنتباع في بلدنا وبقينا رخاص أوي عشان عايزين نتكلم ونقول حاجات كثير أوي، ليه بيعملوا فينا كده؟
هم مش بيحرموا؟ هي دي أول حادثة تحصل؟ هيموتونا كده، ما هي حصلت قبل كده، ما يتقوا ربنا فينا، احنا بشر، احنا روح، حسبي الله ونعم الوكيل في أي حد يأذي بلدنا، عايزين الحق في بلدنا، عايزين حق الناس اللي ماتت، الناس اللي ماتت دي حقها هيروح هدر؟ شوفي الستات اللي ماتت، شوفي اللحم اللي على الأرض، فيه ناس عواجيز وناس رجل سليمة ورجل مقطوعة، كنت هتجنن”.

وأضافت إحدى قريبات الضحايا: “أدي الحكومة المصرية، الدم بقى سهل، عايزين يموتونا، حصلت قبل كده الحادثة ومحدش اهتم”، مشيرة إلى ان هناك من فقد من أسرته في الحادث فردين، وهناك 5 أفراد وأخرى فقدت 7 أفراد “ده احنا كثير”.

قريبة أخرى للضحايا اتهمت الدولة بالإهمال المفرط، فخروج القطارين في نفس الموعد من الأمور المريبة والتي تثير الغضب والتفكر، واصفة المشهد في موقع الحادث بـ” لحم وتقطيع وبيلموا لحم الأطفال من الأرض، وفي المشرحة الأم تحاول تشوف أولادها ورفضوا وكانوا مصرين على وضع أشلاء إحدى الشقيقتين في ثلاجة بالمعمورة بحجة عدم وجود أماكن كافية بكوم الدكة، ومع الشجار رحلوا ضحية أخرى وأبقوا الطفلة بجوار شقيقتها وأقاربها.

وتقول إن والد الطفلتين بسملة ودنيا حالته في غاية السوء، وكذلك شقيقه الذي توفي أبنائه الثلاثة وزوجته منى التي اصطحبت معها بنتي عمهم، وشقيقها الذي حرص على أن يعود معهم لتوصيلهم والبقاء دومًا معهم.

صلاح – طفل يبلغ من العمر 12 عاما، وكان دائم الذهاب إلى منزل خالته للعب مع ابنتيها بسملة ودنيا، ويقول: كنا بنقعد نلعب سوا واتصور معاهم، وآخر مرة رحت لهم كانوا مسافرين وتضايقت جدًا وتمنيت بعد الحادث أن يكونا أحياء ولكني فوجئت بوجودهما في المشرحة، مش مصدق أني مش هشوفهم تاني”.

وأضافت والدته أن الآباء ملقون على الرصيف دون النطق بأي شيء، وقالت: “السيد معه بنتين شوية يلطم وشوية يكلم ربنا، والأسرتين يعولهما شقيقين يحتضنا بعضهم البعض ويصرخان”.

الإجراءات المتخذة:
ويقول أحد أقارب الأسرة انه طالما الطريق غير خالي يجب أن يقلل السائق من سرعته، وتأخرت سيارة نقل الجثامين، وعلى الرغم من أن الحادث وقع في الثانية ظهر أمس، إلا ان النيابة حضرت الساعة 7 مساءً والإسعاف تأخرت، ورفضت المشرحة استلام أشلاء الضحايا، كما أن هناك أشلاء مفقودة وأخرى لم يتم العثور على أصحابها، محملاً المسؤولية إلى هيئة الإسعاف ووزارة النقل، مضيفًا أن كل شيء فاسد وان الوضع سينتهي بوضع شخص ككبش فداء للمسؤولين، كالسائق، العطاشجي، أو الوقاد، وان السبب في الحادث تعطل إشارة أو سرعة سائق، وهكذا” – على حد تعبيره.
وأضاف انه بمجدر حصوله على تصريح الدفن سيحرر محاضر ضد وزير النقل ورئيس هيئة السكة الحديد بسبب الإهمال.
بينما رأى قريب آخر ان الهيئة انشأت منذ سنوات ولم تتطور بالرغم من ذلك، وانها تجبي الأموال فقط دون تطور، وانها ليست الحادثة الأولى ولن تكون الأخيرة.

الوسوم