قطار الغلابة يدهسه الإهمال.. أهالي الضحايا والمصابون يروون لحظات الألم والأمل

قطار الغلابة يدهسه الإهمال.. أهالي الضحايا والمصابون يروون لحظات الألم والأمل حادث قطاري الإسكندرية - تصوير -مصطفي حسن

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

ركام وحطام وبقايا ممتلكات، حقائب وأحذية متناثرة وملابس ممزقة ملطخة بالدماء، وبقايا أدمية وجثث متناثرة في كل مكان وسط القضبان، وملقاة بين الزراعات والحشائش، وأهال مكلومين عيونهم زائغة يمينًا ويسارًا يصبون أعينهم علي كل مكان، يجوبون وجوه الضحايا المغطاة بالملاءات والجرائ،د يعصف الهواء بهم فيظهر وجه القتيل، ربما يعثرون عن ذويهم بين هولاء، وتبدأ حالة من الصراخ والعويل حينما يكشف أحدا هوية ذويه.

مشهد آخر أقل قسوة من الأول لكنه محمل بالألم والأمل أيضًا، حينما يعثر أحدًا على ذويه، لا تزال روحه تنبض بالحياة، يهرولون وهم يصرخون من فرحة الأمل بالعثور عليه حيًا وسط الزراعات.

لم يبقى من آثار الحادث المأساوي الذي شهدته الإسكندرية أمس الجمعة، سوى حطام القطارين بالقرب من محطة خورشيد، والذي أسفر عن وفاة 44 مواطنًا وإصابة 133 آخرين- وفق بيانات صادرة من وزارة الصحة.

دموع اختلطت بالدماء

تقف سيدة في الخمسينات من عمرها، ترتدي عباءة سوداء وشال يحمل نفس اللون، يبدو على ملامحها أنها ريفية الأصل، ذو بشرة سمراء من شدة التعرض للشمس، وجهها تكسوه التعرجات والتجاعيد، يديها مشققة من قسوة العمل، عيناها يذرفان بالدموع، تائهة حائرة.

بصوت مختنق ملئ بالدموع، تقول فايزة السيد، مزارعة في الزقازيق، في البداية أنها كانت تستقل القطار القادم من القاهرة برفقة نجلها محمد، كانوا قادمين لزيارة خالتهم للتنزه في الإسكندرية، ولم يدركوا أن الموت سيكون في انتظارهم على أبواب تلك المدينة الجميلة، لكن قدر الله كانت له الكلمة الأقوى.

وتضيف “كنا نجلس في العربة الأمامية بالقطار أنا ونجلي غافلنا النوم ولم نشعر بأنفسنا؛ إلا حينما اهتز القطار وكأنه زلزال قام بصدمنا، وفقدت الوعي ولم أدرك ما حدث، إلا بعدما قام الأهالي بإفاقتي وأنا ملقاة علي حشائش الأرض المواجهة لمكان الحادث، والحمدلله كانت إصابتي خفيفة، شاء الله أن يصيبني بجروح وكدمات، ولكنى حينما استردت وعى لم أشعر بالآلام والوجع فقط كان كل همي هو البحث عن ولدي وسندي، الذي ظننت للحظات أنه تركني بمفردي”.

وتسرد فايزة، قائلة “ظللت أجوب المكان بحثًا عنه، والآلام تكبلني، ولكن أحد شباب من الأهالي كان يرافقني لنبحث عنه سويا حتى لا أتحمل الصدمة وحدي، سألت الشاب أين ذهبوا باقي من كانوا في عربة القطار الأمامية، لاح لي اتجاه سيارتين نصف نقل قال أحدهم تحمل الجثث والأخرى تحمل المصابين بإصابات بالغة، موضحة أنها حينما علمت ارتجف قلبها بدقات عنيفة وتسمرت قدماها في الأرض خوفًا من أن تجد ولدها بين الأموات.

وتتابع فايزة حديثها “استجمعت قواي وذهبت نحو السيارتين، لكني لم أجده بينهم، وقالوا لي أن الإسعاف نقلتهم إلى مستشفيات مختلفة، وأن من كان في العربة الأمامية نقلوا إلى مستشفي الجمهورية، وذهبت مع مجموعة من أهالي الباحثين عن ذويهم، وحينما وصلت أعطتهم اسمه و كانت الطامة الكبرى حينما نادوني للتعرف علي جثمانه لأنه توفي فور وصوله للمستشفي بنزيف في المخ وجدت ابني الشاب محمد محمود، في العشرينات من عمره، ثم قاموا بنقله لمشرحة كوم الدكة.

توقفت قليلًا عن الحديث وغالبتها الدموع وبصوت خافت استكملت حديثها قائلة: لكنى وجدت جثته وجدته بعد أن قابل وجه الله الكريم لم أشعر بنفسي وقتها إلا وأنا اصرخ وأبكي من شدة ألمي بفقدان ضناي وفلذة كبدي في لحظات ضاع منى، مؤكدة أن كل الأهالي كانوا يقومون بتهدئتها قائلين لها: أن هذا أمر الله.. احتسبيه عند الله شهيدا.

وتروى فايزة قائلة: كان هو من يساندني على الحياة ويقوم بزراعة الأرض التي ورثوها عن والدهم وهو نجلي الثاني الذي لم يأتى معنا، مؤكدة أنه بعد أن علمت بمصير ابنها الأول بسبب حادث مؤسف.

وتوضح فايزة، أن المسئولين أخبروها بأنهم سيصرفون لها مبلغ 50 ألف جنيه كمنحة للمتوفي، مؤكدة أن أموال الدنيا كلها لم تعوضها نجلها الذي كان يسهر من أجل راحتها.

الناجون من الموت

أما عماد محمد، 40 عامًا، موظف، أحد المصابين، والذي كان يستقل قطار القاهرة، يقول أنه كان منذ 3 أيام في مهمة عمل في القاهرة وكان في طريقه للعودة إلي بلدته الإسكندرية يوم الجمعة وفي تمام الساعة الواحدة ظهرا كان يتحدث مع زوجته وأولاده عبر الهاتف المحمول ليخبرهم بأنه قادم وأن القطار سوف يصل للإسكندرية حوالي الساعة 3 عصرا، مؤكدا أن ولده أحمد كان يخبره بأنهم في انتظاره لتناول الغداء سويا وأنهم في اشتياق شديد له.

ويضيف محمد، أنه كان يعد اللحظات لكي يصل لأولاده لكونه كان مشتاقا إليهم كثيرا، مؤكدا أنه فجأة عندما اقترب القطار الذي يقله إلي ناحية مزلقان خورشيد  لمح من الشبك القطار المتوقف والركاب بدأ يسألون عن سبب وقوفه لكن القطار كان مسرعا جدا ولم نشعر إلا بالصدمة القوية للقطار والتي طرحت الجميع ولم يأتي في اذنى سوى صوت اولادى وتمنيت من الله أن يؤجل عمري لأنهم لا يوجد من يعولهم بعدى.

ويوضح محمد، أنه أصيب فقط بكسر في ساقه اليسرى وكسر في ذراعه وسحجات وكدمات في مختلف أنحاء الجسم، مؤكدا أنه حمد الله علي إصابته وأنه كتب له عمرا جديدا، مطالبا الرئيس عبد الفتاح السيسي، بمعاقبة المتسبب في الحادث في إهمال السكة الحديد ووفاة الغلابة.

صدمة

“كنت نايم وصحيت لقيت نفسي في المستشفي مش عارف إزاي ده حصل أصلا، كل اللي فاكره أنى كنت أنا وابني محمد 14 عامًا، نجلس سويًا في القطار القادم من القاهرة، وفجأة شعرنا بالصدمة القوية وفقدت الوعي تمامًا، ولم أفق إلا وأن بين أيادي الأطباء”.. هكذا شرح حامد محمد، 50 عامًا، من محافظة الشرقية وأحد ركاب قطار القاهرة، حاله وقت الحادث.

ويقول سعد، أنه حينما فاق علم أن أصيب في حادث تصادم القطارين وأصيب بكسر في ساقه وفتح في رأسه نتيجة الاصطدام في شباك القطار، مؤكدا أنه ظل يسأل علي نجله الصغير الذي كان يستقل معه القطار من الزقازيق وكانوا في طريقهم لزيارة شقيقه بالإسكندرية، ومن أجل أن يستمع نجله الصغير بالبحر وأعطى الأطباء اسم نجله، وتم التوصل إليه، وكان مصابًا بتهتك في القدم اليمنى وكسر باليد، لكن أحمد الله على أنه حيٌ يرزق، فلم أكن أتحمل خبر فقدانه لكنه تم نقله مستشفى الأميري.

صرخات قطار الغلابة

“الغلابة ملهمش سعر في البلد دي وأكيد اللي هيلبس الليلة هو عامل المزلقان الغلبان اللي هـ يتهموه بالإهمال وأنه كان نايم وقت الحادث أنا مش بعفيه من المسؤولية، لكن كل الحوادث القطارات بيشيلها الغلابة في الآخر وبيموت فيها الغلابة، أنا كان ممكن أموت اليوم وعيالي يتيتموا وزوجتي تترمل بكل بساطة بسبب إننا ملناش ثمن”.. بتلك الكلمات الموجعة عبر بها أحمد محمد، 56 عامًا، من محافظة الدقهلية، وأحد مصابي القطار القادم من القاهرة، عما بداخله.

يقول محمد، إنه بعد كل حادث يحدث نفس الكلام المقرر ويصرفون أموال للمصاب والمتوفي، ويتحدثون عن التطوير، وبعد ذلك ينتهي الأمر، ولم نجد مسؤول واحد يخرج يتحدث عن ماذا فعلوا في قطارات الغلابة.

ويبين أنه قبل الحادث بلحظات لاحظ الركاب توقف قطار بورسعيد على شريط السكة الحديد، والجميع ظل يسأل عن السبب وقبل أن نكمل حديثنا كان القطار الذي نستقله سريع جدًا، وفجأة حدث الصدام بين القطارين ولم أشعر بنفسي إلا وأنا محملا على أعناق أحد الرجال الذين كانوا يقومون بإنقاذ الأهالي وتم نقلي إلي مستشفي سموحه الجامعي.

ويضيف محمد، أنه مصاب بكسر في الذراع وكدمات في الوجه والجسم، مطالبا بمحاسبة المسؤولين الكبار والمتسببين في قتل أرواح الأبرياء والغلابة.

أما السيد أحمد، أحد المصابين، 53 عامًا، وكان يستقل القطار من الزقازيق، برفقة أسرته زوجته وأطفاله الاثنين، وكان متجهًا إلى محافظة الإسكندرية لزيارة أحد أقاربه، وقبل الحادث بثوان فوجئنا بصدمة كبيرة كنت أنا ممسك بطفلي أحمد وزوجتي تحمل طفلتي إسراء تمسكنا بهم ولكن دفعة القطار كانت قوية جدا فرقتنا ولكن نحمد الله علي خروجنا جميعا بإصابات ما بين الكسور البسيطة والكدمات والسحجات.

ويضيف أحمد، أن الأهالي بمساعدتنا و إخراجنا من القطار وجميع المصابين، مؤكدا أن حالتهم كانت هو وزوجته أضعف من حالة أطفالهم الصغار الذين كانوا يصرخون من شدة الم كسر أقدامهم ونحن نخرج من القطار رأينا جثث وأشلاء أدمية ودماء عبارة عن برك تملا قضبان شريط السكة الحديد منظر في منتهى الألم والحسرة.

وتابع مصطفي شوقي، أحد ركاب القطار، قائلًا إنه من طنطا، محافظة الغربية، واستقل القطار من محطة زفتا في الطريق إلى الإسكندرية في زيارة عمل، وكان المفترض أن أعود يوم السبت، لكن قدر الله كانت له الكلمة وسأبقي في المستشفي الجامعي بسموحة حتى تتحسن حالتي الصحية، مؤكدا أنه مصاب بكسر في القدم وسحجات وكدمات في الوجه والجسم.

ويروى شوقي، بداية الحادث عندما شاهدوا قطار كان يركن على شريط السكة الحديد ولا يعرفون سبب وقوفه ثم فوجئنا بالصدمة المفزعة والمرعبة بين القطارين في الجزء الخلفي، مشيرًا إلى أن الإصابات كانت مرعبة وكبيرة، وللأسف عدد قليل ممن نجا في العربيتين اللتان كانتا في مؤخرة القطار، لكن العربات الأمامية تمثلت إصابات الركاب فيها ما بين كسور وجروح وكدمات.

الوسوم