“الصيني”.. قصة مسجد بفلمنج أسسه تاجر لينافس صديقه فأحيا فن المعمار

“الصيني”.. قصة مسجد بفلمنج أسسه تاجر لينافس صديقه فأحيا فن المعمار

بين محطتيّ باكوس وفلمنج بترام الرمل في الإسكندرية، يأتي مسجد مدفون بين فروع الشجر، محاط بسياج من حديد، يطل ببهاء مآذنته وواجهته التي تعكس جمال فن المعمار الإسلامي في العصر المملوكي ودولة الأندلس أمام المارة، لا أحد يعرف قصة ذلك المسجد لكنهم صاروا يسمونه بالمسجد “الصيني” أو مسجد “أحمد سالم”.

عشرات المصلين كل يوم يرتحلون إلى المسجد لأداء صلاة التراويح في شهر رمضان، يقولون “أرحنا بها”، يصلون في خشوع، تضئ قلوبهم بالإيمان، فيما المسجد يتلألأ كل يوم بفنه.

في المسجد ضريح خاص لأحمد سالم داخل غرفة مجاورة لمكان الوضوء، لا أحد يعرف هل يقولون “سيدي أحمد سالم” كولي من أولياء الله أم أنه مجرد اسم لمؤسس المسجد.

يضاهي المسجد في معماره وتراثه ـ كما يرى سكان منطقة فلمنج ـ مسجد يحيى بمنطقة جناكليس، ومسجد المرسي أبو العباس وسيدي ياقوت العرش في ميدان المساجد بمنطقة بحري، لكنه لم يحظ بذلك الزخم الإعلامي، رغم ترميمه بعد غرقه في نوة شتوية شديدة أصابت الإسكندرية منذ عامين.

لكن في حين يحرص أبناء الطرق الصوفية على زيارة أضرحة أولياء الله في منطقة بحري، أحدًا لا يزور ضريح أحمد سالم، لا يعرف الناس هل هو وليّ أم تاجر مسلم جاء من الصين، وبنى المسجد، وفق رؤيته الفنية؟.

يقول الدكتور إسلام عاصم نقيب المرشدين السياحيين بالإسكندرية، والباحث في عمارة المساجد، إن مسجد أحمد سالم يعود إلى العصر الملكي – أسرة محمد علي – في عام 1930م- 1349هـ، عندما قرر  سالم أحد تجار السيراميك والزجاج والأدوات الصحية، والذي يقطن في الإسكندرية، بناء مسجد ينافس مسجد أحمد أبو شبانة الشهير في منطقة باكوس، والمرسي أبو العباس في منطقة بحري، ليكون من أفخر المساجد التي تقتبس معمارها من الحضارة الأندلسية والمملوكية.

ويوضح عاصم في حديثه لـ”ولاد البلد” الواقعة التي دفعت أحمد سالم إلى بناء مسجد منافس عن باقي مساجد المحافظة الأثرية الشهيرة، حيث كان سالم أحد تجار  الإسكندرية، ولكنه لم يكن من أغنيائهم، ولم يكن بمقدوره بناء مسجد قبل عام 1929م، ولكن عقب تعرض مصر إلى أزمة اقتصادية كبيرة ما بين عاميّ 1929- 1930، ارتفع سعر السيراميك والزجاج الذي يبيعه من مليم إلى 3 مليم، وخلال سنة أصبح من أغنياء التجار.

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

ويضيف عاصم، أن سالم أصر على بناء هذا المسجد على طراز أندلسي ومملوكي، فأخذ من الطراز المعماري لقصر الحمراء في الأندلس، ومن الطراز المعماري لفترة الحكم المملوكي، لكي ينافس مسجد التاجر أحمد أبو شبانة الذي كان يملك في ذلك الوقت منطقة باكوس بأكملها، التي مازالت تحتفظ باسم أبو شبانة على لوحة محطة الترام الرئيسية.

ويشير عاصم، إلى أن هذا التنافس قد وقع بين الطرفين، عندما دعا “أبو شبانة” جميع تجار المنطقة ومن بينهم “أحمد سالم”، إلى حفل افتتاح مسجد أبو شبانة، وخلال الحفل انتقد احمد سالم قيام “أبو شبانة” ببناء غرفة للضريح الخاص به بشكل ظاهر داخل المسجد، وقد رد عليه أبو شبانة بسخرية فيما معناه “عندما تملك فلوس، أنشئ جامع وصممه بالطريقة التي تعجبك”، وهذه السخرية هي التي دفعت “أحمد سالم” لبناء مسجده، عقب ارتفاع قيمة ثروته في الأزمة الاقتصادية.

ويعد المسجد هو أول مسجد في بداية القرن العشرين، يبعث الطراز المعماري المملوكي “نيو مملوك” في النقوش الفنية والزخارف التي تعود إلى العصر المملوكي، كما أنه اقتبس في تصميم مآذنة المسجد من طراز قلعة قايتباي، والتي تعتبر -وفقًا للأبحاث- أجمل من مئذنة مسجد المرسي أبو العباس، غير المكتملة من حيث تصميماتها الزخرفية، يقول عاصم.

ويشير عاصم، إلى أنه من مفارقات قصة بناء المسجد الصيني، أنه عقب بنائه في عام 1930، صدر قرارًا من الملك أحمد فؤاد بحظر دفن الموتى داخل المساجد، إلا أن “أحمد سالم” استطاع أن يحصل على قرار إيجاز من الملك بدفنه وحده داخل المسجد، وبالفعل عندما توفى “أحمد سالم” دُفن داخل الغرفة التي بناها لنفسه داخل المسجد، في حين أن أحمد أبو شبانة لم يُدفن داخل الضريح الذي بناه لنفسه.

ويلفت الباحث إلى أن المسجد الصيني هو الوحيد الذي يحوي أحاديثًا نبوية في نقوشه، وأنه قد كتب في واجهة المسجد “إنما الأعمال بالنيات”، كأن “أحمد سالم” يرد على “أبو شبانة”، بأن بناء المساجد أمر يختص بالنوايا، مؤكدًا أنه من أندر المساجد التي كُتب عليها أحاديث نبوية، باستثناء أحد أبواب مسجد الأزهر، وبعض مقابض المسجد في الأبواب والشبابيك قد كُتب عليها “لا غالب إلا الله”، كأن الله هو الذي ساعد في بناء المسجد، وبرغم ذلك فإن المسجد لم يندرج حتى الآن في قائمة أثار الإسكندرية، ولكنه ضمن قائمة مساجد الحفاظ على التراث.

وأعمدة المسجد الرخامية قد زينت بزخارف مثل زخارف قاعة السفراء بقصر الحمراء الموجود بإسبانيا، بالإضافة إلى أن الأسقف مصممة على الطراز الزخرفي العثماني، كما أن المحراب جاء تصميمه مثل المحاريب المملوكية التي تتزين بالزخارف الهندسية والنباتية، كما تنوعت الخطوط بداخله بين الرقعة والكوفي والتغراء (أو الطغراء) -الذي يوقع به السلطان العثماني- وخاصة في كتابة آية “ولسوف يعطيك ربك فترضى”، كما أنه هناك “دكة المبلغ” التي شكلت داخل المسجد على شكل زينة وليس لها أمر وظيفي، وأن هذه الدكة تتمثل مهمتها في أن يقوم شخص بالصعود عليها وترديد ما يقوله الإمام داخل المسجد.

ويكشف الباحث، عن أن هذا المسجد قد تعرض لحادث سرقة “نجفة” تراثية عقب ثورة يناير، هذه “النجفة” لا يقل وزنها عن 150 كيلو جرامًا، من الكريستال المورانو الإيطالي، وهو أفخر أنواع الزجاج، وقد كانت النجفة متدلية من أعلى السقف بطول 30 مترًا، وقد تم تحرير محضر بتلك السرقة، وأن جميع النجف المتواجد بالمسجد من الكريستال المورانو.

وعن سبب تسميته بمسجد”الصيني”، أوضح أن أهالي المنطقة مع الوقت أطلقوا عليه ذلك الإسم، نسبة إلى طبيعة تجارة أحمد سالم الخاصة بالزجاج وأنواع السيراميك والرخام، وغيرها، والتي يأتي بها من الصين.

ويلفت عاصم إلى أن أحمد سالم لا يعتبر من أولياء الله الصالحين، وأن غرفة ضريحه قد تحولت إلى مكتب الإمام داخل المسجد، غير أن “فيلته” التي كان يعيش فيها قام أولاده ببيعها، وتهدمت وتحولت حاليًا إلى مستشفى البترول المقابلة للمسجد.

 

الوسوم