اختلفت الروايات على مرِّ التاريخ بخصوص كسوة الكعبة، ومن كَسَاها قبل ظهور الإسلام ونستطيع أن نروي منها الأشهر: فقد ورد أن سيدنا إسماعيل هو أول من كسا الكعبة جزئياً وليس على الهيئة الكاملة التى نراها اليوم، إلى أن أتى أبي كرب أسعد، وهو ملك مملكة حمير اليمنية، قبل ظهور الإسلام فى عام 220 قبل الهجرة النبوية (أول القرن الخامس الهجري) وكَسا الكعبة كلياً وهذا ما هو ثابت تاريخياً.

وفي عهد قصي بن كلاب المتوفي سنة ( 480م) فرَض على قبائل قريش “الرفادة” وهي جمع المال من القبائل للمساهمة فى كسوة الكعبة كلٌ حسب مقدرته، إلى أن جاء أبو ربيعة بن المغيرة المخزومي من أثرياء قريش قال: “أنا أكسو الكعبة وحدي سنة، وجميع قريش سنة”، وبالفعل ظلَّ الوضع هكذا إلى أن توفاه الله، وكانت تُكسى قبل الإسلام كل عام بيوم عاشوراء، ثم بعد الإسلام مؤخراً في يوم النحر بالحج، والجدير بالذكر أن أول امرأة كست الكعبة مرة واحدة هي نبيلة بنت حباب أم العباس بن عبد المطلب وفاءًا لنذر نذرته.

أما بعد الإسلام وبعد فتح مكة فى العام التاسع للهجرة ( حوالي 630 م) قام الرسول عليه الصلاة والسلام بكسو الكعبة فى حجة الوداع، وكان ذلك من بيت مال المسلمين وكُسيت بالثياب اليمنية.

وفي عهد الخليفة عمر بن الخطاب استعان بالقماش القباطي المصري لكسوتها وهي أثواب بيضاء رقيقة كانت تُنسج بالفيوم، كما أمر الخليفة الثالث عثمان بن عفان بتصنيع الكسوة في مصر، فيما لم يرد ذكر في التاريخ حول تصنيعها في عهد الإمام علي بن أبي طالب لانشغاله بحروب الفتنة. وكانت تُكسى الكعبة مرة بالعام كما ذكرنا إلى عهد معاوية بن أبي سفيان الذي كَساها مرتان بالسنة، المرة الأولى يوم عاشوراء والمرة الثانية كانت بأواخر شهر رمضان استعداداً لعيد الفطر وكانت تأتي الكسوة هذه المرة من دمشق مع وفود الحجيج القادمون من الشام.

ومع سقوط الدولة الأموية وتولت الدولة العباسية مقاليد الأمور، والتى بلغت أقصى اتساعها عام 850م، كان يتم كسوتها ثلاث مرات، فورد أن الخليفة المأمون كان يكسوها يوم التروية بالديباج (الحرير) الأحمر وفى أول شهر رجب بالقماش القباطي المصري وفى عيد الفطر بالديباج الأبيض، إلى أن بدأت الدولة العباسية في الضعف فكانت الكسوة تأتى من بعض ملوك الهند وفارس واليمن ومصر.

ومع ظهور الدولة الفاطمية أخذت كسوة الكعبة منحى آخر، وهو بداية سيطرة مصر عليها وكانت بيضاء اللون إلى أن ثبت سيطرة مصر عليها ونالت ذلك الشرف مع ظهور دولة المماليك، وخاصة فى عهد السلطان الظاهر بيبرس الذي ولد سنة 1223م، حتى أن مصر كانت تعلن الحرب والقتال على من يتعدى على كسوة الكعبة فقد فكر ملك اليمن “المجاهد” عام 751 ه/ 1350م أن ينزع كسوة الكعبة المصرية ويستبدلها بأخرى يمنية فقبض عليه المصريين بعد أن أبلغ عنه أمير مكة وذهب مصفداً بالأغلال إلى قاهرة المعز، وبالطبع حاول البعض نيل هذا الشرف من العديد من الدول ولكن دولة المماليك بمصر لم تسمح بهذا وللمحافظة على هذا الشرف فقد أوقف الملك الصالح  إسماعيل بن عبد الملك الناصر محمد بن قلاوون ملك مصر في عام 751 ه/ 1350م، قريتين من قرى القليوبية هما بيسوس وأبو الغيث لصنع كسوة الكعبة، وظلَّ هذا هو النظام القائم حتى بعد سقوط دولة المماليك إلى عهد السلطان العثماني سليمان القانوني، الذي أضاف إلى الوقف المخصص لكسوة الكعبة سبع قرى أخرى لتصبح عدد القرى الموقوفة لكسوة الكعبة تسعة قرى وذلك للوفاء بالتزامات الكسوة، وظلت كسوة الكعبة ترسل بانتظام من مصر بصورة سنوية يحملها أمير الحج معه في قافلة الحج المصري.

وفى عهد الخديوي محمد علي باشا توقفت مصر عن إرسال الكسوة لمدة ست سنوات بعد الصدام الذي حدث بين الوهابيين في الأراضي الحجازية وقافلة الحج المصرية في عام 1222ه/ 1807م، فكساها الأمير سعود الكبير كسوةً من القزِّ الأحمر، ثم كساها بعد ذلك بالديباج الأسود، من غير كتابة. وجعل إزارها وكسوة بابها (البرقع) من الحرير الأحمر المطرز بالذهب والفضة.

وبعد سقوط الدرعية على يد جنود الخديوي محمد علي باشا، وعودة السيادة العثمانية على الحجاز استأنفت مصر إرسال الكسوة في عام 1228هـ/ 1813م في إطار جديد، وهو الصرف على شؤون الكسوة من الخزانة المصرية مباشرة بعد أن كان يُنفق عليها من أوقاف الحرمين الشريفين بمصر، وقد ترتب على ذلك أن أصبحت الظروف السياسية وطبيعة العلاقات مع حكومة مصر والسلطات الحاكمة في الحجاز تؤثران إلى حد كبير في إرسال الكسوة من مصر أو توقفها. وتأسست فى هذا الوقت دار لصناعة كسوة الكعبة بحي “الخرنفش” في القاهرة عام 1233هـ/ 1817م، وما زالت هذه الدار قائمة حتى الآن، وتحتفظ بآخر كسوة صنعت للكعبة داخلها.

وكان كلما وقع خلاف بين الحكومة المصرية وبين الحكومة التى تتولى أمر الحجاز امتنعت الحكومة المصرية من إرسال الكسوة، وقد حدث ذلك عدة مرات قبل تولي الملك عبد العزيز آل سعود رحمه الله الحكم فى الحجاز، وبعد توليه الحكم رحمه الله وفي سنة 1344ه/ 1925م وبعد زيادة المد الواهبي فى السعودية حدث حادث المحمل المصري الشهير وهو الاعتداء بالحجارة والسلاح على موكب المحمل القادم من مصر بالأراضي الحجازية، حيث أن المحمل كان يصاحبه الطبل والزمر ومظاهر من الاحتفال الديني والذي لم يرق إلى بعض قاطني الحجاز بحجة أن هذا لا يُعد من الإسلام من شيء مما اضطرت القوات المصاحبة للمحمل للتدخل بالسلاح لحماية المحمل وأفراد الجالية المصرية المصاحبة ونشأ عن هذا سقوط القتلى من الطرفين مما ترتب عليه في العام التالي 1926م امتناع مصر عن إرسال كسوة الكعبة. ومع العمل على إعاقة المحمل بعد ذلك لدخول الأراضي السعودية وتكليف الملك عبد العزيز ابنه الأمير فيصل في عام 1927م بأن يشرف بنفسه على إنشاء مصنع لصناعة كسوة الكعبة، فتم إنشاء مصنع أجياد ومن بعده مصنع أم الجود السعوديين لإنتاج كسوة الكعبة.

وقد كسيت الكعبة المشرفة في ذلك العام 1346هـ/ 1927م بهذه الكسوة التي تعتبر أول كسوة للكعبة تصنع في مكة المكرمة. وظلت دار الكسوة بأجياد تقوم بصناعة الكسوة الشريفة منذ تشغيلها وحتى عام 1358ه/ 1939م ثم أغلقت الدار بالسعودية.

وعادت مصر بعد الاتفاق مع الحكومة السعودية إلى فتح أبواب صناعة الكسوة بالقاهرة سنة 1358هـ/ 1939م وأخذت ترسل الكسوة إلى مكة المكرمة سنوياً حتى عام 1381هـ/ 1961 م، لتتوقف مصر عن صنعها عام 1962م في عهد جمال عبد الناصر، بسبب خلاف سياسي بينه وبين حكومة السعودية. وما زالت آخر كسوة للكعبة موجودة بمصر، وبدأ منذ ذلك العهد السعودي لتصنيع كسوة الكعبة.

ونود أن نشير هنا إلى أن قاعة عرض مُتحف المخطوطات بمكتبة الإسكندرية تحتوي على قطعتان من كسوة الكعبة الشريفة اللاتي أهداهما الملك عبد العزيز آل سعود لطلعت باشا حرب عام 1936م، ثم قام أحفاد طلعت حرب بإهدائهما إلى مكتبة الإسكندرية مع افتتاحها عام 2002م. ويبلغ طول الواحدة منهما 6 أمتار وكُتب عليها الآيات من 26 إلى 29 من سورة الحج:

” وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ {26}

وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ {27}

لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ {28}

ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) {29}