بعد توقف عن كتابة عمود مقالاتي الساخر، “حقول اللي في نفسي” الذي استمر ثلاثة أعوام، كانت هناك قوة تدفعني للعودة للكتابة، خاصة في هذا الموضوع “سيبوني ماحدش يحوشني أنا فاض بيا ومليت”، ده شعاري دلوقتي، وبجانب شعاري هذا، هناك شعارات في بلدنا تجعلنا نموذجا فريدا، لا أنصح أن يحتذى به حتى إذا اكتشفت حياة على المريخ، وإذا أردت أن تعرف الناتج، انتظر حتى اكتمال الشعار وبعد الإجمال يأتي المثال.

“بلد بتاعت شهادات صحيح” كان شعار كله أمل وعصافير و”حاجات كتير فوق بعض” وصل ذروته فترة الثمانينات، فلا مكانة ولا وضع اجتماعي لمن لا يحمل شهادة حتى إن لم تعمل يجب أن تحمل شهادة جامعية، والكل يسعى لأن يحصل على الشهادة ليتخرج بحث عن خطاب القوى العاملة، الذي كان يجيء في ذلك الوقت لكن في مهن مختلفة عن الشهادة التي حصل عليه الشاب أو الشابة، وحاول شباب الهجرة خارج البلاد أو البحث عن عقد عمل في دولة عربية “حبة هجوا وحبة اشتغلوا في مهن مبيفهموش فيها و حبة طفشوا” ويمر الزمن بينا.

“إللي ليه ظهر ماينضربش على بطنه” في هذه المرحلة التي وصلت ذروتها في أوائل التسعينيات، واتذكر ما قالته الفنانة شويكار للفنان فؤاد المهندس، في مسرحية “أنا فين وأنت فين؟” “أبوك كان قائد طابية، أمك كان قائد طابية.. تبقى مش من مستوايا” هنا في مصر في عمل حكومي أو خاص تحتاج زقة عشان تشتغل في الحاجة اللي أنت عايزها ممكن تكون صاحب كفاءة أو لا تكون، المهم إنك تلبد في شغل و” اللي ماعندوش ما يلزموش.

“يبقى إبني على كتفي وأدور عليه عند الجيران”، وظهرت بقوة في منتصف التسعينيات، فكل من يعمل في مهنة يورثها لابنه في قطاع خاص أو حتى حكومي” طبيب, محامي, تاجر, أستاذ جامعة, مهندس, إعلامي, سفير, غفير, فنان” والنتيجة “عائلة أبو ” في كل مكان، وبالطبع لا يكون المعيار هنا الكفاءة، لكن صلة القرابة، التي تحرم الأكفأ من الوظيفة، و”يابخت من كان  النقيب خاله ” التي وصلت لتوريث الحكم في عهد مبارك.

“اللي معاه قرش يسوى قرش ” ظهرت قصة القرش دى مع بداية الألفية الجديدة، بالتزامن مع زيادة الرشاوي،  يعني لو ماعندكش وسايط أو قريب حد بيشتغل يقى البديل علشان تشتغل “الفلوس” وتدفع  الأسر ما فى جيبهم فى الثانوية العامة، ونفس الحكاية في الجامعة أو الشغل عشان ابنهم أو بنتهم تشتغل في المجال اللي تختاره  أما “اللي ما معهوش ميلزموش”

“يا ملتقى الصحبة يا لالالالي… يا ورد في الصحبة يالالالالى” جميع ما سبق وأضف عليهم نظرية “الشلة” في كل وظيفة ومكان، لو معاك واسطة لو معاك  الجن الأزرق لازم تكون ضمن الشلة اللي ممكن تكون قرايب تجمعهم مصلحة واحدة، أو أي شئ آخر، فقليلا من الكفاءة و كثيرا من الشلة و السبوبة، تعمل في أي شيء وأي مهنة، واترك حلمك في أي ملف فوق أي رفن أو أرميه في أقرب سلة “قمامة” إذا لم تكن من  الشلة.

لا أنكر في وسط كل ما ذكرت هناك من لا يزال وراء حلمه لتحقيقه حتى لو استخدم طرق ملتوية، أو حاول جاهدا أن يكون جزء من “الشلة”، لكن لا يصل إلى القمة إلا المرضي عنهم،  وفي حالات استثنائية قد تصل الكفاءة قبل الاحتضار بساعات.

“الفن ما بيأكلش عيش ” يعتبر مجال الفن من أكثر المجالات التي تسلط عليها الأضواء ويظهر فيه بوضوح كل ما سبق، ودون الخوض في التفاصيل فكثير من الموهوبين في هذا المجال ضاع حلمهم أو وصلوا بعد عناء أضاع شغفهم وحبهم للفن فكل يوم نسمع حكايات مؤلمة عن كفاح و نضال لسنوات، لزميل أو زميله شابة في عمر الزهور لتحقق حلمه/ ها الذي أحيانا يكون هو مصدر رزق، وتذكر دائما جملة “الفن ما بيأكلش عيش”، لمن ليس أبوه فنانا أوليس لديه، في غياب الإعلام الذى يهتم فقط بمن ظهروا على السطح، وليغوص الآخرين في أحلامهم التي ستختلط بالإحباط وفقدان الشغف.

لماذا نحلم منذ الصغر بالمستقبل؟ لماذا نتعلم؟ لماذا لا نعترض على هذا الشكل الغير عادل لمنظومة العمل؟ يجب أن تحدث تلك الوقفة في جميع المجالات ليس في الفن وحده الذي ذكرته كمثال، وذلك إذا كان هناك رغبة في النهوض بهذا البلد الذى لها تاريخ عظيم، وطالما في العمر بقية سوف نصنع حلمنا.